يا ترى ما هو القرآن؟ وكيف عرف نفسه بنفسه؟

“إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ” (سورة الواقعة: 77 – 79).

اليوم سنعرّف لك القرآن بطريقة متوازية مع تعريفاته التي أنت تعرفها، وسنسلك بك طريقاً آخر للتأثر بكتاب الله العزيز غير الذي عهدت سابقاً.

والعاقل يعلم أن من عرف الكلام ومصدره، ثمّن المتكلم وأنصت له، ومن عظّم المتكلم، عظّم كلامه، ومن احترم المُشرّع، احترم شريعته.. وهكذا هي الأمور تجري في الغالب.

قال الله تعالى: “ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ” (سورة الحج: 32).

وقال النبي صلى الله عليه وسلّ: “مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِه” رواه الحاكم.

في القرآن هداية وبشرى للذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات أنّ لهم من الله أجراً كبيراً، يكلّمنا وكأنه يخبئ لنا مفاجأة لن نُحصلّها إلا بذلك الشرط وهو بداية (تعظيم الله في القلب).
“وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ” (سورة الشعراء: 192 – 195).

والقرآن غالب قاهر، ومنتصر في كل المجالات على الإطلاق، فقد فتح التحدي للجميع، وفي كل الأزمنة، “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا” (سورة الإسراء: 88).

فخذ مثالاً على قوة الجن الشديدة، واختفائهم الذي يزيدهم قوة، وزد عليهم أقوى الأقوياء من بني آدم، إلا أنهم غير قادرين على الإتيان بحرف واحدٍ يضاهي وينافس ما جاء في كتاب الله.

يقول أديب العربية الأستاذ مصطفى صادق الرافعي عنه “.. وَفِي الْقُرْآن مظهر غَرِيب لإعجازه المستمر، لَا يحْتَاج فِي تعرُّفه إِلَى رويَّةٍ وَلَا إعنات، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن يرَاهُ من اعْترض شَيْئاً من أساليب النَّاس حَتَّى يَقع فِي نَفسه معنى إعجازه؛ لِأَنَّهُ أَمر يغلب على الطَّبْع، وينفرد بِهِ، فيُبين عَن نَفسه بِنَفسِهِ، كالصوت المطرب الْبَالِغ فِي التطريب.. لَا يحْتَاج امْرُؤ فِي مَعْرفَته وتمييزه إِلَى أَكثر من سَمَاعه!”.

والإمام السالمي -رحمه الله- قال في جوهره:
والحق ما قالت به الأعلام بأنه لربنا كلام
ووحيه وأنه تنزيله سبحانه صح لنا دليله

يقول الأديب الرافعي:
“… واعترضوه بالألسنة رداً، ولعمري من يرد على الله القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب.. وهو القرآن كم ظنوا – مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر – كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمراً هيناً؛ لأنه أنزل في الأرض على بشر…”.

والقرآن الكريم مكوّن من:
“114” سورة، وكل سورة تتكون من جمل أو مقاطع يسمى كل منها آية، وعددها 6236 آية، أما حروفه فيبلغ عددها 323670، وتكوّن بمجموعها 77934 كلمة قرآنية، كل ذلك في “30” جزءاً ينقسم كل منها إلى “4” أجزاء يسمى كل جزء منها بـ”الحزب”، وبذلك يضم القرآن الكريم “120” حزباً.

وسور القرآن الكريم منها الذي نزل بمكة المكرمة، وتسمى السورة “مكية”، ومنها ما نزل بالمدينة المنورة، وتسمى السورة “مدنية”.
كل السور تبدأ بالبسملة سوى سورة “التوبة”.

أرأيت نوره وعظمته؟ أفطنت لدقته ورصانته؟ أقرأت تحديه وقوته؟ هذا هو القرآن الكريم.

قال جبير بن مطعم: “قدمت المدينة لأسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب (والطور وكتاب مسطور)، فلما قرأ (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع)، وكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، فلما انتهى إلى هذه الآية (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) كاد قلبي أن يطير.

ألم أقل لك إن هذا القرآن عظيم للغاية، معجز في بيانه وتعبيره وتشريعه؟ ألا يدلك هذا لرب عظيم؟ تحدى العرب في فصاحتهم وقوة بيانهم، فأبهر مصاقيع خطبائهم وأفحمهم، وكانوا حينها في أعلى مناصب الفصاحة والشعر والبيان.

حق له سبحانه أن يكون الآمر الناهي المتصرف في كل ملك وآمر، ولذلك حينما تنزل آياته على مسامعنا تسعى في طريقها لقلوبنا، يجب أن نُعدّها إعداداً عظيماً نتأثر بكلام خالقها ومسوّيها.

فإذا أردت تعريفه، فقل بافتخار وعزة وبجملة بسيطة بعيدة عن التكلف: “هو كلام رب العالمين”.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top