نظراً لارتفاع التكلفة، وبداية انكفاء الدول الإمبريالية داخل حدودها، حصلت الكثير من الدول على استقلالها، وكذلك كل الدول العربية تقريباً، التي بدأت في السعي لتكوين دولها الحديثة، والنهوض بشعوبها.
بدأ المشهد بالمستبد العادل، صاحب الكاريزما القيادية، الذي يلتف الشعب حوله للعبور نحو المستقبل، والنهوض بالأمة.
في البداية كانت الصرامة العقلانية هي التي تحكم المشهد، فبدأت المؤسسات والقطاعات الحكومية الشبيهة بتلك الموجودة في الدول المتقدمة في ترسيخ مكانتها المجتمعية بكل رصانة.
الأخلاق رغم التحرر المخالف للدين والعادات والتقاليد، إلا أنها كانت تشهد ضبطاً عاماً خلق لها حيزاً يسمح بحفظ هوية البلد، كما هو الحال مع المستبد العادل، الذي يظل يفقد من عدله لصالح استبداده لمواجهة المتغيرات اليومية، فينمو حوله إطار داعم للاستبداد، وهو الذي يتحول مع الزمن إلى جدار متعفن بالفساد، والذي يظل ينمو رأسياً وأفقياً حتى يضرب في أطناب المجتمع، فيظل الشكل الخارجي للأخلاق ظاهراً كما هو، فيما يتغلغل النخر من داخله، فينمو النفاق المجتمعي، والفساد الأخلاقي، والتدين الهش الذي يركز على الشكل؛ ليسمح بالتحرك من خلفه، فيبدأ التفكك المجتمعي، وتظهر الشراذم الممقوتة التي تظل تفجع المجتمع بشكل تدريجي ودائم.
هذه الشراذم تقوم بعمل موجع؛ إذ إنها تلوث أفضل ما في المجتمع، وتبرز أسوأه، فتدور الأسئلة المتحررة التي تطعن المجتمع على ألسنة شبابها، داعية للتطور والتحرر من علماء الدين ودعاة الفضيلة، الذين يظلون يتعرضون للضرب الممنهج باعتبارهم المتاريس الأقوى في المجتمع، فتتم شيطنة أفكارهم ودعواتهم والتشكيك في (نموذجيتهم)، وبالطبع تكون أجواء المستبد قد لوثت الجميع، فيصبحون غير جديرين بالثقة، فيتمزق نسيج المجتمع، وتبرز التيارات المتصارعة التي تظل تضرب في بعضها، فلا يستقيم حوار ولا اجتماع مجتمعي، ويكثر التخوين والتصنيف حسب الولاءات، فتبدأ الهامشية، وتتبدل الآراء في أي قضية كانت بتأرجح من الأسفل للأعلى، ويصبح الشعور بالحيرة دائماً ويتعزز اللانتماء.
في خضم ذلك يزداد المستبد استبداداً لإحكام قبضته عبثاً على الفتات؛ حيث يعلو صوت الأنانية والمال، فيصبح شعاراً للمرحلة، متجاوزاً للقيم والمبادئ التي كان الناس يموتون من أجلها، في ظل الفراغ الذي أحدثه التشظي ينفرط عقد الأمة، ويسقط فيها الإنسان كقيمة وهوية، فيعاني المستبد وهو يحاول جاهداً أن يكون عادلاً ومستبداً، فيواجه مجتمعاً منقسماً قد تحددت أشكاله المتباينة، فتصبح فرماناته بين سندان النقد اللاذع والتطبيل الممجوج، وكلاهما بعيد عن الموضوعية، تصفية للحسابات وإيغالاً في الخصومة، هنا تضيع البوصلة، ويترسخ الشعور بالضياع، عندئذ تدخل الأمة في مرحلة الثلاثة أيام التي منحها الله على لسان نبيه صالح لقومه العصاة، حينما أعلن عن استحقاقهم للعذاب فاصفرت وجوههم في اليوم الأول،
واحمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث وهم ينتظرون، حتى كانت النهاية الخالدة في الصيحة عليهم، فلم يبرحوا أماكنهم، وغدوا فيها جاثمين، إنه عذابهم قادم عليهم لا محالة، وعلامته تتبدى في وجوههم إمعاناً في الذل والمهانة لمن تحدى أمر ربه، ليس في السماء ولا في الأرض، بل في وجوههم، في وجهك ووجه الابن والأب والزوجة، من تحب، ومن تكره، أي مجتمع بكامله ينتظر، وعذاب الانتظار لا يوصف.
إن تآكل مفهوم الدولة العربية بشكل مستمر، وظهور الطابور الخامس في أكثر من بلد، وتدعيم علاقاتهم بالدول الأجنبية أمام الجميع، ثم تسلطهم على مجتمعاتهم عبر منابر الإعلام والمراكز القيادية لإحداث التغيير في المجتمع، ومحاربة معتقداته وشرائعه والنيل منها، والتهجم عليها، أفرز ذلك جماعات عنيفة وجدت في الشباب الغاضب خزاناً لا ينقطع للرمي بهم في محارق لتحقيق مكاسب في حرب طويلة الأمد، نحن فاعلوها وضحاياها ووقودها، إن الفشل الإداري والسياسي والاقتصادي المتنامي في كل جوانب الحياة خلق بالفعل مسمى نصف مواطن بنصف حقوق.
هي حالة الانتظار البائسة التي تتنظر يوماً أجمل أو حتى أخف وطأة، وعذاب الانتظار لا يطاق، إن ترسيخ حالة العجز التي تنتهك الإنسان يجعل الحلول أصعب، ويحير العقل، ويكثر الآراء المشوشة.
إن اختراع الحل الشافي ليس وارداً بهذه السهولة، إلا أن الحل الأبرز يكمن في العودة إلى ما تؤمن به الأمة وتجتمع عليه في غالبها، خصوصاً في دينها وقيمها، بالترافق مع حلول جذرية لأسس التشظي، مع إشراك مجتمعي واسع، وإبراز واقعي للنخب الصحيحة التي تم تهميشها في خضم الفوضى، حتى لو كانت في حالة تصادمية، إلا أنها ضرورية لترسيخ مداميك يمكن البناء عليها، وإلا عادت سيرتها الأولى، وغدت كالأرجوحة التي تذهب وتعود، والريح تأخذ منها ولا تعطيها.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.