أنا شربت حشيش يا سعاد!

يقول أحد الفلاسفة الكبار: “إذا أردت أن تصل إلى القمة فنافق ثم نافق ثم نافق”.
نعم -عزيزي القارئ- إنها وصفة سهلة وبسيطة لكي تُحقق ما يرنو لك من آمال وأحلام، فقط عليك أن تنافق ثم تنافق، أياً كان موقعك الاجتماعي (أب-أم-ابن-زوج)، أو موقعك العلمي (طالب-أستاذ-دكتور)، أو موقعك الوظيفي (رئيس-مرؤوس).

فالنفاق لا يحتاج كثير عناء، ولا يحتاج مواصفات خاصة، فالكل مؤهل لذلك، ما عليك سوى أن تمزج قليلاً من الكذب، مع قليل من الرياء، مع قليل من انعدام المبادئ، ويسبق هذا وذاك أن تكون إمعة، يتبقى علاوة على سبق أن تزين هذا الخليط بابتسامة تعلو جبهتك حين تنافق.

أما عن درجاته، فيندرج نفاق الابن ونفاق الأب ونفاق الزوج ونفاق الصديق ونفاق الزميل في مرتبة واحدة، تعلوها درجة نفاق المرؤوس للرئيس، ويتقدمها درجة نفاق الرئيس للمرؤوس، لكن يتقدم كل ما سبق نفاق ولي الأمر لشعبه، أما النفاق الأعظم فإنه بلا شك ما يمارسه المنافق مع خالقه جل شأنه.

وللنفاق مذاق خاص، وله سحره ونشوته، ولعل هذه النشوة تشبه إلى حد كبير النشوة التي تصيب متعاطي مخدر الحشيش، ويبدو أن هناك تشابهاً كبيراً بين النفاق ومخدر الحشيش. فطبقاً لموقع وزارة الداخلية المصري يمر متعاطي مخدر الحشيش بمراحل أربع، لعلها تصلح أن تكون هي المراحل ذاتها التي يمر بها متعاطي النفاق.

ولا يقتصر أمر النفاق على الطبقات الأقل من حيث المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العلمي؛ بل صار النفاق أكثر انتشاراً في الطبقات العليا، حتى بات ظاهرة منتشرة في المجتمع المصري كانتشار النار في الهشيم، وهي بالفعل تحتاج إلى البحث والدراسة والتحليل والمعالجة.

في النهاية، فإن أمر النفاق أمر اختياري، للإنسان كامل الحرية في أن يركن إليه أو يمقته، لكن الذي لا خيار للإنسان فيه أمران: الأول: أن يُكرَه على النفاق ويمكن أن نطلق على هذه الحالة “نفاق الضرورة”. الأمر الثاني: أن تكون “منافقاً سلبياً” أسوة بالمدخن السلبي.

ولما كانت مصر مرتعاً للنفاق، فما عليك -عزيزي القارئ- سوى أن تصرخ وأنت مزهواً وفي قمة السعادة: “أنا شربت نفاق يا سعاد”، على غرار مقولة الفنان المصري عادل إمام عندما تناول مخدر الحشيش: “أنا شربت حشيش يا سعاد”؛ لأننا -عزيزي القارئ- وأعتذر لذلك- إما أننا منافقون فعلاً، وإما أننا منافقون بالضرورة، وإما أننا منافقون سلبياً.

وإذا ما أصابك العجب -عزيزي القارئ- من سياق ما تضمنه هذا المقال؛ لأنه ربما يتضمن في باطنه دعوة لكي تكون منافقاً، رغم أن الأمر ما عاد يحتاج دعوة من هنا، أو تحريضاً من هناك. فالنفاق قد ملأ أرجاء المحروسة من أقصاها إلى أقصاها.

ولكن، لا تعجب -عزيزي القارئ- فهذه دعوة صريحة للنفاق وليست دعوة من وراء حجاب، وانطلاقاً من المقولة القائلة: “إذا زاد الشيء على حده انقلب إلى ضده”، فلعل في ازدياد مساحة النفاق في المجتمع المصري تكون مدعاة لنشتاق إلى الصدق والصراحة. ولعل في محنة النفاق منحة الآفاق.

وإعمالاً للأصل القائل: “ابدأ بنفسك”، ونظراً لأن أول خطوة في النفاق أن تكذب، فقد قرر كاتب هذا المقال أن يتوقف عن الكذب وقرر أنه ما من فيلسوف أورد المقولة التي تصدرت هذا المقال سواء من القدامى أو الحداثى، فذاك أمر مخالف لناموس البشر، ولعل صحة هذه المقولة: “إن أردت أن تصل إلى قمة القاع فنافق”، لعل نفاقك يسكنك الدرك الأسفل من النار.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top