شباط؟ – لبّاط ما عليه رباط! لم ألحظ من قبل أن لشهر شباط مزاجية صبيانية متأججة؛ فطقس الأمس كان مشمساً دافئاً نهاراً، بارداً متقلباً ليلاً، أما اليوم، يتمرد الطقس أكثر فأكثر!، فالنهار تقوده رياح شمالية شرقية، والليل مطره غزير محمل بعواصف رعدية، والغد ذاهب وبيده شباط، حتى يهل آذار ويتفتح الورد، و تورق الأشجار.
دعنا الآن من الأمس وغد، لنوقف توقيتات شباط عند ليلتنا هذه المكحلة بمطر كث، ومستترة وراء برقع مزين بالسحب.
أرى -ملء عيني- جنود المطر تغزو يابس تربتنا الناضب، تتداعى زخات المياه واحدة تلو الأخرى، كأنما تؤدي التانغو فوق منصة الشتاء العريضة، يتساقط بلل الغمامات على نوافذ دارنا، فأسمعه يسقف بيده عالياً، يضرب بقدمه فوق الصمت، ثم يدور، وبالقدم الأخرى يتنحى جانباً، مفسحاً الطرقات لبقية القطرات، وتستمر الأوركسترا السماوية حتى مغيب آخر نجمة عن مدارات الليل.
كيف للطقس ذاته أن يمر مرور الكرام؟!
كيف لسماء شباط ألا تحرض ذاكرتي على الاندلاع والثوران؟!
لن أنكر أني في أول الأمر حاولت أن أغالب ذاكرتي، تركت المطر بعيداً، وانصرفت إلى إعداد كوب من القهوة، وضعت البراد -ريثما امتلأ- على النار، وفتحت الراديو ليؤنسني إلى أن يغلي الماء، فانبعث صوت ملائكي يقول: ” بتذكرك كل ما تيجي لتغيّم، وجهك بيذكّر بالخريف “.
حبسي أنا! لا يوجد الآن مفر، فما العمل بعد أن حاصرني شباط، والمطر، ومقام السيدة فيروز؟
سأستسلم -فضلاً وليس أمراً- لذاكرتي، سأتركها تستعرض قصصها، وسأستبعد عنادي، غريبة هي الذاكرة!
لها كيان حر مستقل، لا تقبل بالشروط ولا الأحكام، عتية لا يستهان بها، تارة تتحالف معك، وتارة أخرى تخونك، وأحياناً تطعنك في خضم معاركك، أكرهها وأحبها، أحتقرها وأجلّها، أهجرها ثم أعود لها.
لا يزال المطر مشتعلاً، ولم يغلِ الماء بعد، ولا تزال فيروز تبدع، وأنا أغمضت عينيَّ، فوجدت أمامي الحنين، صار صوت الذكريات عالياً، أخذ الاشتياق ينبض، وفتح لي باب التسلل إلى الوراء، والصوت يرتفع ويموج، بطبعي لا أحن إلى من كره معدني، ولا إلى من أبكاني وأبكى الأرض علي، وأتعجب مما أراه من حولي، كيف يحن الناس إلى القبح؟! كيف يقضون سنوات من الاحتراق على أناس كانوا حاضرين غائبين؟! عفانا الله وعفاهم.
بطبعي أيضاً أحن إلى الجمال، إلى من لا يعفى عليه الزمان، أرى الآن أيامنا معاً، والضحكات والدموع، ولحظات الدفء والأمان، وجديلاتي الصغيرات، والمشاوير القصيرة، والعهود والأمنيات، والصور الفوتوغرافيّة، والشوارع العتيقة، ورائحة المسك، وجمعة الأحباب، ورغم سطوة الحنين، فإني لا أتمنى أن يعود ما كان، لن أسمح لدوامة الماضي أن تسحبني إلى مكائدها، سأتذكر أيامنا الحلوة كلما أمطرت السماء، سأتبسم، وأشم رائحة ما فات، ولكني لن أتجمد، لن أوقف زمني رهن الذكرى؛ فلم تُخلق الذكريات كي تعذبنا، فكل جميل مر علينا، بعث فينا حباً وليناً، أستودعه داخلنا حتى نورثه أرواحاً أخرى؛ حتى نزرع ما طرح فينا -في طينة أخرى- وهكذا تدور الأدوار حتى نصبح نحن الذكرى.
عدت لأتفقد المياه، ها قد بدأت تتحرك، وكأنها خافت من الرعد الماجن، أستشعر صوته الغضبان، فهو يعبر عما فيه دون خذلان، ثم تابعت فيروز قائلة: “يمكن لا لا.. صاروا بعاد، وهوْ حكياتي.. هوْ حكي ولاد “. ولا يزال شبح الذاكرة يحوم حولي، وإذ فجأة صب علي مُرّه، ذكرني بما آلمني، رمى من جوفه حادثة بعينها، اتكأت على أحد الجدران كي أستريح، وأخذت أستعرض تفاصيل اليوم، لم أستطع تجميعها كلها!
فوجئت، كيف نسيت غالبية الأحداث؟ وإذا كنت نسيت، فكيف أعرف أن الذكرى مُرّة؟ حاولت أن أسترجع التفاصيل مرة أخرى، لم أر أمامي سوى بضع صور من الذكرى، سمعت نشيجي وقتها، رأيت الناس من حولي يومها، ارتسم أمامي الطريق الطويل الذي سلكته في أثناء عودتي إلى الدار، ولم أتذكر أكثر، فأدركت أن الذكرى نفسها ارتحلت، وأني الشخص الوحيد الذي يعتقد أنها ما برحت، ويصور لي الوهم أنها ملتفة حول عنقي لتمتص أنفاسي، وتقتلني!
لِمَ إذاً الذكريات المتعبة؟
ربما لنتعلم كيف نمضي قدماً، أو من الممكن كي نمارس قدرة النسيان، أو ربما لنتقن النهوض عالياً، فبكل بساطة نستطيع أن نضع ساقاً بجانب الأخرى، ونسير في الزمن بناصية شامخة.
أخذ البراد النحاسي يهتز، ويدق على الموقد، كأنه يناديني حتى أنتبه إلى أن المياه قد فاجت، أطفأت النار، وملأت الكأس، فتناثرت رائحة البن في أرجاء الجو، وبدأ المطر يهدأ شيئاً فشيئاً، ومعه تتهادى ذاكرتي، حتى فيروز أوشكت أن تنهي ما بدأته، أتت الذكرى بمن فيها، وها هي راحلة آخذة معها شباط، وقبل أن ترحل همست لي في أذني وأخبرتني، بأن من أعيش معه الآن خير من ألف ذكرى -سواء حلوة أو مُرّة- وأن نفسي التي أراها في المرآة كل يوم ستصبح لأحدهم في وقت ما أحلى ذكرى، غريبة هي الذاكرة!
أتت، وتحدثت، وغادرت في غضون دقائق، حتى قبل أن تبرد القهوة!
مطر، ورعد، وأغنيات، وذكريات احتلت الدار في بضع ساعات، صدق من قال: “شباط لبّاط ما عليه رباط!”.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.