أيها الراحلون المنسيون.. القادمون المستجدون.. المستوطنون المغتربون.. تمهّلوا قليلاً، فالغرب ما زال غريباً يلقننا غربته.
ما زال ينثر دموعنا على مسافات حدوده، ما زال يسلب أفراحنا من رمق نفوسنا العطشى، يهيج بنا كموجة عاتية عند كل حاجز.
اكتفى بقساوته ومعانيه المثقلة، ارتوى بالآهات الساكنة والجروح الحارقة والبسمات الحزينة.
لا ننكر أن كل فتى أو فتاة من أمتنا العظيمة يحلم بأن تطأ قدماه أرض أوروبا، وحينئذ يرتاح من التعب والمشقة وطغيان الحكام، ينسى شتى ألوان الذل والظلم التي تشربها منذ الصغر.
يحلم بصباح مشرق يقود به سيارته الباهظة ذاهباً بها إلى مكتبه، سويعات ويعود إلى منزله مع أطفاله، يحمل هاتفاً جديداً ويقطن في أرقى المناطق.
لكن ماذا قد تخبئ أوروبا؟
ما لا نعلمه حقاً عما حدث لكل جيل من أجيال أمتنا التي باتت تحت رايات أوروبا، وهنا أتحدث عنهم: من الجيل الأول إلى الجيل الثالث أو الرابع.. أجيال بأكملها خرجت من سيطرتنا وباتت تحت قوتهم ومنطقهم وتفكيرهم، وهذا بحد ذاته هو الأصعب فباتت تقول حينما تسألها عن دينها أو عِرقها: أصولي عربية!
إذا نظرنا إلى الجيل الأول لنجد أن هناك حالتين مختلفتين تماماً في هذا الجيل:
أول مجموعة تتضمن كل شاب مسلم كان سبب خروجه جور حكامه وجبروت سلطانه، خرج خائفاً على دينه لا دنياه، رافعاً راية الإسلام قبل روحه، مناشداً حرية العبادة والطاعة لله وحده وليس لأحد سواه.
ولا شك هنالك أن هذه الفئة من الناس هم أقلية لكنهم هم الأنجح بين الفئات كلها؛ لأنها استطاعت الحفاظ على الجيلين الأول والثاني معاً بكل مبادئه الإسلامية السامية وأصوله الأدبية العربية.
أما المجموعة الثانية وهم الأكثرية في هذه الحالة، فقد خرجوا مناشدين أمورهم الدنيوية بحثاً عن لقمة العيش أو عن علم جامعي ينتفع به في شتى بقاع الأرض.
وهنا يبدأ اضمحلال الهوية الإسلامية، فتجدهم متساهلين أو غير حريصين على تعلم أولادهم مبادئ الإسلام واللغة العربية، هذا إن تزوجوا بأفراد مسلمين، فالجيل الثاني حينئذ ناطقٌ للغة العربية، لكنه ليس بكاتب ولا قارئ، عابد لله كما علمهم آباؤهم لكنه غير تابع لمنهج أو سيرة.
أما إذا تزوجوا بغير المسلمين، فإن كانوا أولاً من أهل الكتاب فيجب حتماً أن تنسى جميع الأبناء والأحفاد، وتعتاد على سماع كلمة “أصولي عربية”.
ولا نحتاج إلى كثير من التعمق في هذه الحالات لنعلم أن الجيل الثالث والرابع قد بات تائهاً في أمور الدنيا بعيداً عن التفاصيل الإسلامية.
وهنا نجحت أوروبا باكتساب أفراد لا نهاية لأعدادهم، باتوا تحت عقيدتهم ودستورهم وتفكيرهم لا ينظرون إلى دينهم ولا ينتمون إلى عِرقهم ولا عودة لهم إلى أوطانهم.. كتجارة بشر رابحة في القرن الواحد والعشرين.
اللهم إنا نستودعك ديننا يا رب العالمين، فارزقنا الثبات عليه حتى نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.