الانقسام يختلف تماماً عن الاختلاف، فالاختلاف هو أخف وطأة في التأثير سلبياً على المجتمعات التي ترحب به، أو فلنقُل إنه قد يكون في أحيان كثيرة عامل استقرار نفسي وتطور فكري للمجتمعات التي تحتضنه.
العلة تكمن في الانقسام، أي أن يتحزب المجتمع إلى أحزاب تعلن القطيعة والبراءة الدينية والعقائدية والوطنية مع الآخر، وتلك هي شرارة النار التي تلتهم الأول والآخر، حتى إنه لا يسلم منها مشعلها في نهاية الأمر، فالمتاجر بالفرقة بين الناس إن نجح في إقصاء الجميع ولم يبقَ إلا هو فليس له، إلا أن يبحث في بني قومه حتى يقسمهم هم أيضاً لفرق وأحزاب، فتضيق الدائرة شيئاً فشيئاً إلى أن يجد أنه السوي الوحيد على هذه الحياة، وذلك منتهى الغرور المتفرعن الذي سيغرق صاحبه كما أغرق فرعون غروره من قبله.
في العقلية التي ينتهجها الكثير لتبرير إقصائهم لغيرهم مفهوم (أننا نطبق الإسلام وكفى جدالاً)، ولو علم أولئك أن من سبقونا في تصنيف المصنفات البحثية الإسلامية التي يستمدون منها إسلامهم لم يكونوا على رأي واحد في رؤيتهم للقضايا، ذلك أن النص القرآني الإعجازي يكمن إعجازه في أنه يعطي فسحة فكرية ليتلاءم مع كل أحوال البشر، فلا يشدهم إلى الخلف ليعيشوا جاهلية الغربة عن حاضرهم ولا يتركهم يتخبطون فلا يجدون فيه ما يساعدهم على قراءته بما يخدم حاضرهم.
ومن هنا أحاول أن أعالج نظرة تشدنا شداً إلى الوراء تحت شعار “لن يصلح حاضرنا إلا باستحضار ماضينا”؛ ذلك لأنني لا أتفق مع أي محاولة لجعل التاريخ يقيد نظرتنا للمستقبل، ولا أتفق مع أي رؤية تقيد العقول أن تجتهد لتصنع مستقبلاً كما صنعه المجتهدون الأوائل وخدموا أجيالهم.
لقد كان أئمة المذاهب الأربعة مجتهدين في وقتهم حققوا مصالح لمجتمعاتهم، ولم يمنعهم من يعانون من فوبيا الاجتهاد من أن يقدموا ما قدموا.
ولعلي أذكر القارئ بالرجوع لمحنة كل شيخ ومفكر فيهم؛ لأنه كان صاحب رأي مختلف في عهده، ونحن اليوم نأخذ بآرائهم؛ لأن الفكرة الحق لا تموت، والباطل وإن علا مرة فإنه مقبور باقي الدهر.
وأختم متحدياً بأن مفكري اليوم المنبوذين بيننا؛ لأنهم خرجوا عن الجمود السائد هم سادة الغد ممن ستشكرهم الأجيال القادمة؛ لأنهم تحملوا الأذى في سبيل فكرة أو منهج ترتقي بالبشر، فالفكرة النيرة تحترق بنورها ملايين الأفكار المظلمة، لكنها مسألة وقت.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.