لا يفتأ بعض الكُتاب والصحفيين يسأل: لِمَ اللجوء إلى التاريخ؟ حتى قلت: ليتهم يكفون. ولولا أن الكثير من الأعمال التاريخية التلفازية يفتقر حقاً إلى مستوى المعالجة الدرامية ذات القيمة الأدبية والفكرية، لاتهمت السؤال بالسذاجة. ولكن، لماذا لم يسأل عن ذلك نجيب محفوظ الذي استلهم التاريخ المصري القديم في بعض رواياته؟ ولِمَ لَم يسأل أمين معلوف وآخرون في الشرق والغرب بنوا أعمالاً روائية ومسرحية عظيمة على مواد من التاريخ؟ وقد سبقهم إلى ذلك شكسبير في عدد كبير من مسرحياته: أنطوني وكليوباترا، هنري الرابع، هنري الخامس، هنري السادس، هنري الثامن، يوليوس قيصر، ريتشارد الثاني، ريتشارد الثالث.
هل لجأ هؤلاء جميعاً إلى التاريخ يستلهمون منه أعمالهم فراراً من حاضر بئيس إلى ماضٍ ذهبي مجيد، أو تجنباً لمعالجة قضايا معاصرة يمكن أن تهدفهم لحراب سلطة غاشمة، كما يشي السؤال المكرور: لِمَ اللجوء إلى التاريخ؟ وهل كانت أعمالهم مجرد سجل لأخبار تاريخ ماضٍ في إطار سردي؟ أم أنهم استعملوا المادة التاريخية على وفق مقتضيات الفنون السردية بأساليب إبداعية حققت قيمة خالدة متجددة من المتعة الجمالية والفكرية معاً! فما زالت عبر عقود وقرون تجتذب متلقياً متجدداً وباحثاً متعمقاً يستقرئ فيها من المعاني والقيم الفنية ما لم يستقرئه الأوّلون، وتلك شيمة النص الإبداعي.
ومع الإقرار بأن الكثير من الأعمال الدرامية التلفازية التاريخية المعاصرة، لا تحمل تلك القيمة الأدبية والفكرية، فما الذي يمنع من حيث المبدأ أن يرتفع بعضها إلى ذلك المستوى، وإن لم تتمتع بما تتمتع به المادة المقروءة المطبوعة من الدوام. يعوض عن بعض ذلك اتساع قاعدة المتلقين وقت عرضها مقارنة بالكتاب، وتراجع عادات القراءة عند الكثير من الناس في الوقت الحاضر.
وإذ لا يسعني الحديث عن غيري، فإن أعمالي الدرامية التاريخية قد توخّت ما تتوخاه الأعمال السردية المقروءة من القيمة الإبداعية: الفنية والفكرية. فليست الغاية تسجيل أخبار الماضي، ولا تعظيم أمجاده للتعزي عن الواقع المتردي، ولا إيثار السلامة من عواقب التصدي لمشكلات الحاضر. ولا يخفى شيء من ذلك على المشاهد، فالذي يحقق القيمة الراهنة المعاصرة ليس فترة الأحداث: قديمة كانت أم معاصرة، وإنما المعاني الفكرية، فضلاً عن الفنية، للمادة التاريخية، بما يفضي إلى مخاطبة الذائقة وشحذ الوعي بالشرط الإنساني عامة، وأسئلة الواقع خاصة، وهو ما اصطلح عليه بالإسقاط، على الرغم من ابتذال الكلمة بتكرارها وفجاجة أسلوب تطبيقها في بعض الأعمال.
ومَن قال: إن الأعمال الاجتماعية التي تدور وقائعها في الوقت الحاضر تتصدى بالضرورة لقضاياه ومشكلاته برؤية نقدية عميقة تسهم في تطوير الوعي والارتقاء بالذائقة؟ وكم من كُتابها تعرضوا لقمع السلطة جزاء نكالاً على جرأتهم في نقد الواقع وتعريته؟ وأي القنوات التلفازية المعتبرة المشهورة تعرض عملاً درامياً يتحدى السلطة على نحو مباشر؟ ومن قال أصلاً إن الخطاب المباشر من طبيعة الفن المبدع؟ ألا يصح القول في الكثير من تلك الأعمال بأنها تسهم في تغييب الوعي والانحطاط بالذائقة؟
والماضي والحاضر على كل حال، كلاهما تاريخ، ويبقى معيار القيمة رؤية الكاتب الفكرية ورسالة العمل وطريقة التناول والمستوى الفني. وفي الأشكال الإبداعية لا يقتصر السؤال على: ماذا يريد الكاتب أن يقول؟ ولكنه ينصب بالقدر نفسه على الكيفية التي تحمل المحتوى وتصل برسالته إلى المستقبل، فإذا اختلت الكيفية اختل المحتوى نفسه.
على أن كتابة الدراما التاريخية تواجه تحدياً إبداعياً لا تواجه مثله الدراما الاجتماعية. كيف يتصرف الكاتب بالمادة التاريخية المدونة وفقاً لمقتضيات الفن الدرامي من جهة، ووفقاً لرؤيته الفكرية وأسئلته الإنسانية، دون أن يخل بالحقائق التاريخية أو يتعسف في استقراء المادة التاريخية على نحو فج في خدمة منظور أيديولوجي مسبق، أو بدعوى الإسقاط؟
كما قلنا سابقاً، ليست غاية الدراما التاريخية أن تقدم سجلاً مدرسياً مصوراً لوقائع التاريخ المدون. وفي المقابل، لا يصح في نظري أن تضحي المعالجة الدرامية والفكرية بنسق الوقائع التاريخية، فتختلق تاريخاً غير التاريخ، إلا أن يكون العمل من قبيل “الفانتازيا” التي لا تبنى على أصل تاريخي حقيقي.
فلا معنى لأن أختار شخصية تاريخية معروفة، ثم أجردها من كل ما تمثله في الذاكرة التاريخية، فلا يبقى منها غير الاسم والرسم، ثم أجعلها لساني. فالأولى هنا أن ألجأ إلى “الفانتازيا” التاريخية لأختلق ما أشاء من الشخصيات والوقائع، وحتى هذه يجب أن تخضع لمنطق السرد الفانتازي، أما الشخصية التاريخية المعروفة فتبعث من الفور ذاكرة سيرتها وبيئتها وعصرها، فإن حضر الكاتب ولم تحضر انتفى مسوغ اللجوء إلى المادة التاريخية، وأنكر المشاهد ما يرى.
الكاتب الحاذق يعرف كيف يسلط وعيه ورؤيته الدرامية على المادة التاريخية المدونة ليستنطقها ويستقرئ معانيها ويستبطن ما تنطوي عليه من إمكانيات درامية تشتغل عليها المعالجة الدرامية والفكرية، ويستحضر الغائب المسكوت عنه من إشارات النص الحاضر. فلا تدوين التاريخ ولا قراءته بالعملية البريئة من التحيز الذي تمليه الرؤية الفكرية للقارئ والكاتب ومحتوى وعيهما، ومن ثم تختلف القراءات للمادة التاريخية نفسها باختلاف القارئ، وتتجدد القراءات عبر العصور والأزمان، مع تطور الوعي والمناهج الفكرية والأدوات المعرفية، قصة الماضي ليست ثابتة، لا من حيث وقائعها بالضرورة، ولكن من حيث فهمها وتأويلها وتحليلها، أفلا ترى إلى الحاضر نفسه الذي نعيشه، قد نجمع على وقائعه المشهودة، ونختلف على تقويمه وتعريفه وتأويله؟! أهي ثورة أم انقلاب؟ أهي انتفاضة شعبية أم شغب وفوضى ومؤامرة؟ أهو جهاد مشروع أم إرهاب؟ أهي عدالة أم فعل انتقام؟ أهي تقوى وورع أم تزمت وتطرف؟ أهو كرم أم سرف؟ أهي شجاعة أم تهوّر؟ أهي حكمة أم عجز؟ أهي واقعية أم إذعان وتنازل؟ أهي جنوح إلى السلم أم خيانة وتفريط؟
إنه صراع المعاني الذي نحيا به، ونموت به.
وإذن فإن في وسع الكاتب المبدع ألا يخلّ بنسق الوقائع التاريخية الهامة وهو يبني بها عملاً فنياً راقياً، ويشحنها بمعانٍ إنسانية، يتجاوز بها خصوصية مكانها وزمانها؛ ليخاطب وعي المستقبل المتجدد وأسئلته وشرطه الإنساني، ويحوّل الظرفي التاريخي إلى عام إنساني. والكاتب المبدع يحقق ذلك كله دون فجاجة أو تعسّف، وإلا فقد القدرة على التأثير والإقناع، وطغى حضوره في النصوص على حضور الشخصيات الدرامية.
وفضلاً عن تشكيل المادة التاريخية المدونة على هذا النحو، فإنه يبقى للكاتب مساحات فارغة معتبرة تملؤها مخيلته، فيبتدع فيها مادة سردية شائقة من شخصيات ووقائع ومواقف لا تجدها في المدونة التاريخية، ولكن شرطها أن تكون منسجمة مع نسق الوقائع المعروفة، ومع منطق الأحداث، ومع الجو العام. فالمدونة التاريخية لا تقص علينا كل التفاصيل، ولا سيما الجوانب الذاتية ومفاتيح الشخصيات ودوافعها وعلاقاتها الإنسانية في الحيّز الحاضر، ولا تؤرخ في العادة للشرائح الشعبية؛ إذ تنشغل بالتأريخ للشخصيات القيادية المشهورة والوقائع الكبرى.
ولئن كانت الشخصيات المبتدعة في هذا المجال من وحي خيال الكاتب، فإن هذا لا ينفي عنها بالضرورة صفة الواقعية والصدقية التاريخية إذا نجح الكاتب في فهم الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة التاريخية، فجعل من شخصياته المبتدعة أنماطاً إنسانية منسجمة مع ذلك الواقع، ممثلة لشرائحه، وبذلك يتسنى للكاتب أن يبرز ما أغفله المؤرّخ الأول ويستحضر ما غيبه، ويعطي صوتاً لمن حجب صوته.
وكذا ينبغي على كاتب الدراما التاريخية أن ينظر في المادة التاريخية المتاحة بعينين معاً: عين الباحث في التاريخ التي تستقرئ وتحلل وتؤول وتستبطن الحركة الاجتماعية التي تمثل البنية التحتية العميقة للوقائع والأحداث الكبرى الظاهرة، وتكشف تحيزات المؤرخ الأصلي، وتنقد الروايات، وترجح بعضها على بعض، وعين الكاتب الدرامي التي يرى بها الإمكانيات الدرامية الكامنة ويدرس بها الشخصيات ومفاتيحها وعالمها الذاتي الداخلي، حتى يتسنى له أخيراً أن يحولها من أسماء وأخبار إلى شخصيات إنسانية من لحم ودم.
وسأكتفي بمثال واحد من عمل قديم كتبته في مطلع الثمانينيات عن الشاعر الجاهلي “طرفة بن العبد”، أحد أصحاب المعلقات الشهيرة، الذي انقصف عمره في ريعان الشباب مصلوباً على جذع نخلة في موطنه في هجر والبحرين، بأمر من عمرو بن هند ملك الحيرة لعامله على تلك الديار، ولذلك لقب طرفة بالغلام القتيل، ولا شك أن نهايته المأساوية زادت من الاهتمام به وبشعره.
هذا شاعر أخباره معروفة يمكن أن تجمع في بضع صفحات، وكنت بالطبع قد درسته من قبل في إطار الشعر الجاهلي، أما الآن فأمعن النظر في أخباره وشعره لأكتشف مفاتيح الشخصية على المستوى الذاتي، ومعها أزمته الإنسانية التي أفضت إلى ذلك المصير المريع، وما يمكن أن تنطوي عليه سيرته وأزمته من إمكانيات للمعالجة الدرامية والفكرية تتجاوز به خصوصية الذات والزمان والمكان ليعير أنموذجاً تراجيدياً لأزمة الإنسان في صراعه مع شرطه الوجودي.
بين أخبار السيرة وشهادة الشعر التي لا تكذب، وإن كانت تتخفى، تبيّن لي أن مفتاح الشخصية وأزمتها الوجودية تتمثل في التنازع الخالد بين فرديّة الإنسان وانتمائه الجمعي، وهي مسألة تتعلق بسؤال الحرية. فالإنسان بطبعه ينزع إلى الجانبين معاً، ويحتاج إليهما معاً، ولكن هيهات أن يفوز بهما معاً دون تسوية متوازنة، وتنازلات متبادلة، فكل منهما يطلب حظه من الآخر، والأفراد ليسوا سواء في طرق استجابتهم لهذا التنازع بين المطلبين، فبعضهم أقدر من بعض على الوصول إلى سويّة متوازنة معقولة، وآخرون يغلّبون أحدهما بأقدار متفاوتة قد تبقى في حدود الممكن المحتمل، وقد يشتط بعضها فيقع الصدام والتأزّم. ولربما عاش بعض الناس حياتهم كلها متأزمين يترجحون بين هذا وذاك، وربما رجحت ببعض الأشخاص فرديتهم القوية، فتنكبوا عن الجماعة فنبذتهم واقتضت منهم ثمناً باهظاً.
وكما يتفاوت الأفراد في هذا، تتفاوت المجتمعات نفسها في تنظيم هذه العلاقات المتنافرة وإدارتها. فالمجتمعات الغربية الحديثة مثلاً، فسحت مجالاً واسعاً نسبياً للحريات الفردية، وإن طوّرت في المقابل نظماً فعالة للتوجيه والرقابة والسيطرة، بعضها خفي غير منظور، وبعضها يكتسي وجهاً إنسانياً ناعماً.
أما المجتمعات التقليدية فتميل إلى ترجيح التقاليد الجمعية الصارمة على الحريات الفردية، وإن بقي بوسع الأفراد أن يتفلتوا منها في عالم سرّي غير منظور ليعيشوا حياة من النفاق والازدواجية.
وقد عرف العصر الفيكتوري في إنكلترا مثل هذه الظاهرة، ومنها كثير في مجتمعاتنا العربية الإسلامية.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.