السيسي جاءني في المنام

جاءني القاتل في منامي يمشي مكِبّاً على وجهه، يعلوه قتر وغبر وذلة وتغشاه ظلمة وسواد، يرتسم كثيراً من المحن والكهن والخداع على ملامحه القبيحة، وقال لي بصوت أشبه بنهيق الحمار: “أخطأت وآسف على ما فعلت”، ومد يده كي أصافحه.

لم تصدق عيناي ما ترى، فأطحت بكابه العسكري من فوق رأسه، فرد مسرعاً بتحية حاسر الرأس كما يؤديها العسكريون، فزادني بروده واستخفافه وسخريته غيظاً وألماً فأمسكت بتلابيبه والتفت يداي حول عنقه، بينما هو يواصل وصلة الخداع بأسلوبه النسائي المعهود “بحبكم يا مسريين”، ولكن كهنه لم يخدعني وتوسلاته الزائفة لم تنطلي على مثلي، وشعرت بنشوة وفرحة نسيت معهما كثيراً من الألم.

أفقت فاقداً للوعي غير مصدق لما تبقى من رؤياي، حاولت كثيراً أن أستجمع كل تفاصيلها، ولكن للأسف لم أعد أتذكر سوى وجهه القبيح؛ وسيطر على عقلي سؤال: هل لو كنت قد قبلت اعتذار القاتل وصافحته أكون خائناً مثله لدماء من غدر بهم وقتلهم وسفك دماءهم وسحلهم وسجنهم واغتصب بناتهم وظلم أهليهم وأبناءهم وشردهم وسرق أموالهم وباع أرضهم وخان وطنهم؟

سمعت صوت زوجتي، فحمدت الله أنني لم أصافحه، وتذكرت دموعها يوم فض رابعة، وهزني من جديد صوت بكائها على نساء كن معها قدماً بقدم وساقاً بساق في خيام الميدان، وقتلتهن رصاصات الغدر أو غيبتهن سجون الظالمين، أو سرق الفجرة عذرية بناتهن، وسحلوهن في الشوارع وأروقة الجامعات، أو قتلوا أزواجهن وأولادهن أمام أعينهن وحطموا منازلهن، وقهروا أحلامهن في مستقبل مشرق ووطن حر.

حمدت الله أنني لم أصافحه عندما تذكرت ابنتي جهاد، وكيف كانت تحلم ورفيقاتها وكيف غنين للحرية وهتفن للعدالة وسط ميدان رابعة، وكيف فقدت حلمها في وطن تحبه ويحبها تمنحه ويعطيها يحن عليها ولا يقهرها، وتذكرت كيف حرمها انقلاب السيسي من دخول الكلية التي ثابرت من أجلها ورضيت بكلية أدنى خوفاً من الخطف والسحل والسجن أو الاغتصاب في أزهر القاهرة.

تذكرت أخي الصحفي الشهيد أحمد عبدالجواد وهو في دمه غارقاً يوم الفض الغادر، وابنته “بنان” تبكي لفراقه تطالبني بالثأر لأبيها، فحمدت الله أنني لم أصافح القاتل ولم أخُن دماء صديقي الذي سقاني وأطعمني في ميدان الشرف برابعة العدوية.
وقلت لنفسي لو أنني صافحت القاتل، ماذا كنت أقول لأخي ورفيق دربي الدكتور جهاد صبحي وهو ما زال يلملم جراحه وأهله لفقد أخيه الشهيد عبد المنعم الذي غيبته رصاصات الغدر وكان بين الشهداء الساجدين في الحرس الجمهوري.

حمدت الله، فلو أنني صافحت الغادر، كيف كنت أواجه أستاذي ومعلمي المهندس عصام وقد بعت دم أخيه الشهيد وجيه مخيمر، صاحب أشهر صورة في فض رابعة، تاركاً خلفه زوجة وابنة رآها بعد سنين طوال من الحرمان؟!

قلت لنفسي: كيف كنت سأخون دم الشهيد فادي، ذلك المهندس الشاب الذي قتلته رصاصات العسكر في ميدان رمسيس بينما هو يحميني أنا وباقي المتظاهرين في الميدان من القناصة وقنابل الغاز ورصاص البلطجية.

هدأت نفسي وقلت: الحمد لله لم أسقط في جب الكاهن الغادر، وقررت أنه لا صلح مع غادر ولا مصالحة مع ظالم ولا سلام مع جبار ولا استسلام لقاتل.

فخرجت من غرفتي مبتسماً، فوجدت ابني أبو بكر يذاكر في غرفته مستعداً لامتحان الثانوية، فتذكرت أخي وصديقي الصحفي والإعلامي هاني صلاح الدين الذي غيبه العسكر في سجونه وحرمه من تربية بناته الأربع، وتحقيق حلم ابنه الوحيد محمد، وتذكرت كيف كان محمد يستعد لأن يكون ضابطاً في الجيش يحمي الوطن ويدافع عن الأرض، وكيف ضاع حلم محمد بعد تلفيق التهم الظالمة لأبيه.

فعدت ألوم نفسي وأحاسبها وأقول: كان يجب أن أصافح القاتل وأقبل تلك المصالحة حتى يخرج هاني وغيره من الإعلاميين بسلام ليرعوا أبناءهم، ويقولوا كلمة الحق ويدحروا زيف الباطل.

وتذكرت أخي ورفيق عمري الداعية الشيخ شبل عسكر وابنه الأكبر باسل وكيف ظلمهما العسكر وقيدهما الظالم في أغلاله بلا جناية إلا قول الحق، بينما أنا أبني لنفسي ولأبنائي، فقلت أليس لأخي شبل الحق هو الآخر في أن يرعى أبناء وزوجة ويبني مستقبلاً وبيتاً، وتمنيت أني صافحت لأجله القاتل.

وتذكرت أستاذي عزت عسكر، الذي علمني كيف يكون حب الوطن وزرع في قلبي حباً أكبر وأوسع للبشر وفهماً أعمق ومقاصد أعلى للدين والدنيا، وكيف أنه لو صافحت القاتل لخرج من ظلمات السجون ليخضب القلوب الميتة ويحيي الأمل فيها كعادته طوال عمره.

خارت قواي وانهزمت نفسي، وتذكرت أكثر من 60 ألفاً من المظلومين، يقهرهم السجانون، وتلهب ظهورهم سياط الجلادين، وضاع بصرهم من ظلام الزنازين، يتضورون جوعاً ويتفطرون ألماً على الأهل والأبناء والزوجات، ويذلهم المرض فلا يجدون يداً حانية ولا كلمة رقيقة ولا دواء يخفف الألم.

زادت حيرتي يا صديقي ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ هل أصافح قاتلاً قتل كل جميل وطاهر وغالٍ وعزيز وخان العرض وباع الأرض، حتى أنقذ إخواناً في السجون يحتاجهم بنوهم وأهلوهم؟ أم أظل وفياً لدماء أحباب بلا ذنب قتلت وأرفض مصالحة القاتل؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top