حينما وعدتُ اللهَ أن أستمع

في سرد هادئ، أخبرت صديقتي المقربة أني أعتقد أنني اكتشفت موهبتي -وهي غريبة بشكل أو بآخر عما يسمى بالمواهب- “أنا مستمعة جيدة”. قلت ذلك بعدما وجدت نفسي محاطة بالكثير والكثير من الأحاديث التي يتوجب عليَّ الاستماع إليها، فالانخراط في تفاصيلها وتذكرها دائماً.. وجدت نفسي أؤدي وظيفة عكسية “للراديو” أستقبل الموجات وأحفظها بدلاً من نشرها.. أتذكرها في جوفي عوضاً عن أن أملأ بها الوجود، ظننت أني بهذا “مستمعة جيدة”.

بعد ذاك السرد بأيام قلائل، وحيدة في غرفتي دخل حمزة -صديقي ذو الخمسة أعوام- يسألني عن سبب بكائي، لا أتذكر التفاصيل، لكننا بدأنا في حديث عن الله ومكانه وكيفية تعاملنا معه، إلى أن سألت حمزة: “كيف نعلم بأن الله موجود؟”. “نكلمه، إذا سمعنا ردَّه.. فهو موجود”، هنا بدأت في الشك أني “مستمعة جيدة” كما أخبرت صديقتي.

الحقيقة أني لا أتذكر أن تربية والديَّ لنا في التعامل مع الله احتوت تلك الفلسفة التي أخبرني بها حمزة، نتحدث.. نستمع ثم ننتظر رداً؟، أكانت تلك هرتلات عابرة، أم أن براءة الأطفال وطهارة فطرتهم من موبقات الإيمان تعي أكثر مما نعتقد؟ الله قريب، لكن ذلك القرب الذي طالما اعتدت عليه وجمدت فيه لم يكن شيئاً مقارنة بالقرب الذي رأيته بعد تطبيق نظرية حمزة، طبقتها ووعدت الله أني سأستمع جيداً هذه المرة.

تحدثت إلى الله، وانتظرت الردَّ في كل شيء بسيط هيِّن حولي، تجنَّبت التفكير في الصدف والأسباب العلمية البحتة، نَسبتُ كلَّ ما يمكن اعتباره رداً على حديثي.. إليه.

توصلت إلى أن الإيمان به فقط وبحتمية وصول رده تُذهب بأسَ القلبِ والرَّان الذي أصابه، تطمئنه، تستمع دائماً إلى “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” تتردد في رأسك، بدلاً من أعاصير الأفكار التي كانت تصيبك كل ليلة. توصلت إلى معنى “أن تعبد الله كأنك تراه”، لم أُطبقه بإتقان بعدُ، لكن تلمَّست نور الوصول إليه.

في وقت مضى عرفت لوناً من ألوان الوصول إليه يوماً، عرفته إذا ما دعوته بدعوة وصدقت بها، فأرى استجابته لها بهدوء نفسي بعد طول اضطراب، وسكون روحي بعد تشتت طويل، عرفته في ستره ورحمته وفضله وحسن تدبيره وخفاء لطفه، لكن أجزم بأن أفضل أنواع الوصول هي التي تأتي بعد مشقة وكلل وغزو شامل لعلامات استفهام على عقولنا، فيكون طَعمُ الوصول إليه بعد وَهنٍ من المحاولة، خيراً من ألف وصول فطريٍّ ناتجٍ عن التربية والاعتياد.

لربما جرَّبت يوماً أن تبحث عن شيء ضائع وتجده في النهاية موجوداً بيدك، أو في أقرب مكان منك، لم تبذل جهداً أبداً في التفكير بوجوده فيه.

في تلك الفترات التي “نعافر” فيها في البحث عن الله، لا نكون صادقين، فقط نتظاهر بالبحث أملاً في أن تأتينا الإجابة سريعاً ونتخلص من ذاك الجهد المبذول. “وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا”، وقد كنت عجولة في الوصول إليه حتى صرت أبحث دون أمل، أبحث للزوم الوصول إليه، لا لحب الوصول إليه.

كم مرةً فوَّتُّ الاستماعَ إليه؟ كم مرةً قلَّلت من شأن كلمةٍ مِن كتابِهِ أرسَلَها أمام عيني لأنه يعلم باحتياجي إليها ونسبتُ ذلك لصدفة ما؟ كم مرة لم أتقن البحث عن رده؟ الله قريب، ولذة قربه صعبة المنال، لكن الإيمان بوجودها تهون دائماً.

الله الذي رزقني بحمزة وكلامه البريء.. قريب. الله الذي جعلني “مستمعة جيدة” بعد صمم طويل.. قريب. الله الذي أسأله كل ليلة دوام الإيمان به فيستجيب.. قريب. “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ”.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top