عندما لحّن القصبجى لليلى مراد سنة 1945 أغنية “أنا قلبي دليلي” وألَّف كلماتها أبو السعود الإبياري، لم يدُر في خَلدهم يوماً أن تتبعهم الجماهير العربية من الخليج إلى المحيط منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى اللحظة.
ولو كانوا يعلمون تأثير الأغنية الرهيب على بلادهم حكاماً وشعوباً، لتقاضوا ثلاثتهم مبدئياً ملايين الدولارات؛ بسبب تأثيرهم على سيكولوجية الجماهير العربية، ولَعضّ جوستاف لوبان، الطبيب النابغ المنصف -مؤلف الكتاب الشهير “سيكولوجية الجماهير”- يديه ندماً على منافسة مؤلَّفه الذي ألَّفه قبل ذلك بعشرات السنين وانتفى منه حقّ الردّ.
وتسعفني ذاكرتي البندولية في تذكّر المقابلة التي حضرتها بشخصي منذ 8 سنوات تقريباً مع رؤساء إحدى الشركات العظمى حينما أُسند إليَّ اختيار أحد المناصب الكبرى الشاغرة في مؤسسته المليارية وكنّا نقابل المرشحين للمنصب معاً.. فيقوم العبد لله بمقابلة مرتّبة ممنهجة أقتنص فيها دلائل الإنجاز عند المتقدّم ويتركني الرئيس المحترم جداً أصول وأجول مستعمِلاً أدوات مهنتي ساعة أو أقل أو أكثر، ثمّ ينهي المقابلة مع المتقدّم قائلاً: يا فلان.. على فكرة.. “أنا قلبي ارتحلك”!
دكتور…هنعيّنه!
فيصاب العبد لله بالشلل الرباعي الرعّاش من رأسي إلى قدمي، وتدور عيناي كالذبابة في ستة اتجاهات، متحسّراً متعجباً على ضياع وقتي وعلمي ومجهودي مع الرجل.
“طيّب وكان لازمته إيه العلم بقي” طالما ارتحتله يا رجل المؤسسة الضخمة؟!
وأتلقى يومياً ما يربو على 20 رسالة من مقبلين على الزواج، تتكرر فيها الكلمة ذائعة الصيت (القبول).. فأسألهم: ماذا تعني بكلمة “قبول” يا صديقي؟
فيخبرني: “قلبي ارتحلها”، وتخبرني: “قلبي هواه يا دكتور”.
فينتحر المنطق بالمشنقة واضعاً مسدّساً عيار 9 ملليمتر في جوفه ليقتل مرّتين.
ثمّ أذهب مستشاراً لإحدى الشركات متعددة الجنسيات العاملة في الشرق الأوسط؛ لأنتقي لهم كوادر قيادية تخلف الصفّ الأوّل للمؤسسة فيما يسمى في علم الموارد البشرية “التعاقب الوظيفي”.. وأكتب تقارير مفصّلة عمّن قابلتهم متضمنة تشريحاً لشخصياتهم ومناطق التميّز والتطوير…فأفاجأ باختيار آخر تماماً منافٍ للتقارير التي قدّمتها وتمّ الثناء عليها!
ما المشكلة يا قوم؟!
أبداً دكتور… “كتّر خيرك”، ولكن المدير العظيم ارتاح قلبه لفلان وعلّان ورآهما على درجة عالية من الثقة بالنفس، اعتماداً على سهرهما الدائم معه على إحدى القهاوي يدخّنون الأراجيل بكلّ الثقة بالنفس والتمكّن!
ونظرت لنائب الرئيس في عينيه وهو يسرّ لي بذلك؛ عساني أن أكون قد فهمت خطأ ما عناه!
أرجيلة (شيشة)؟!
نعم دكتور.. ما سمعته صحيح.. فمديرنا يستطيع التقاط الثقة بالنفس من طريقة تدخين الأرجيلة للبشر!
ويعتمد ذلك كثيراً على لغة جسم الشخص وهو يدّخن جالساً واضعاً رجليه الواحدة فوق الأخرى!
أفرك عينيَّ وأسلّك الأذن الخارجية والوسطى وأهزّ الداخلية؛ لأتأكد أنّ ما سمعته صحيحاً.. فيومئ النائب بأنّه صحيح!
إذاً، أنتم -يا رفاق- بشر دون البشر واحتمال أن تكونوا من “لالا لاند” وتحصلوا على أوسكار الجمعية العالمية للموارد البشرية في حسن انتقاء الكفاءات القيادية اعتماداً على الشيشة!
سبْق علمي يعتمد على أغنية الإبياري والقصبجي وليلي مراد “أنا قلبي دليلي”.
ومن كان قلبه دليله يا أصدقاء، فليرمِ عقله بحجر وليُدِر له الفصّ الأيمن في المخّ لتصفعه العواطف والمشاعر الهائجة والأهواء العاصفة فتنته به إلى غيابة الجب ليلتقطه منه بعض السيّارة من عقلاء القوم ويعيدوا له رشده.
أنا قلبي “ليس دليلي”!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.