إنني أتلهف للفراغ!

أحتاج لذاك الهدوء يغلّفني، لساعات نوم تُشبعني، لمنبه ساعة لا يرن، لأصوات بشر وضعهم هو الصامت، لهاتف لا يعمل، لأن أقف عند إشارة المرور ولا أحد ينبهني إن فاتتني الإشارة الخضراء.. لا أريد منبهات في شيء سوى في كوب قهوتي!

أحتاج هدوءاً أستطيع أن أسمع معه صوت الإبرة إن هي وقعت على الأرض، أن أسمع معه صوت شهيقي وزفيري، أن أستشعر طعم الهدوء في أذنَي كما أستشعر طعم الشوكولاتة الداكنة في براعم التذوق في لساني، أن أهدأ حتى يشبع الهدوء مني، وأن أسترخي حتى يتشنج الاسترخاء مني ومن هدوئي وبرودة أعصابي، أن أكون أنا الهدوء والهدوء أنا، أن تكون أعصابي أبرد من ثلاجة الموتى، أن تكون أفكاري أوضح من عين الشمس، أن تكون دقات قلبي منتظمة أكثر من دقات عقارب الساعة، وأن أذوب في الفراغ كملعقة سكر تذوب في الشاي، ذاك الفراغ المنتِج، الذي تجد فيه نفسك وأفكارك ومشاعرك، نفسك التي ما عدت تعرفها مع زحام هذه الحياة، والتي من شدة زحمتها ضيعت فيها نفسك، وكأنها طفلة ضاعت عن أمها فما عادت تجدها، ستبحث عنها الأم دون يأس حتى تجدها، وإن لم تجدها ستصرخ في الشوارع في وجوه البشر بأعلى صوتها أن أعيدوا لي ابنتي، وعندما تجدها ستفرح وستحرص على ألا تتركها أبداً في المستقبل كي لا تكتوي بلوعة فراقها الذي جربته من قبل.

لا تترك نفسك من البداية وتمسك بها جيداً؛ لأنك ستخسر الكثير، وأنت تبحث عنها وتجدها هذا إن وجدتها ولم تذهب بعيداً عنك للأبد، ما أجمل الفراغ والهدوء الذي يوصلك إلى نفسك في حفل مهيب، الحضور فيه جوارحك ومشاعرك وأفكارك ولا أحد سواها!

صمت يعطيك أكثر بكثير مما يعطيك الكلام، لقاء ليس كمثله لقاء في الصدق والشوق والسعادة، لقاء يجعل منك شخصين الثاني منهما هو نفسك، لقاء نادراً ما يتكرر ليس لأنك لن تقابل نفسك مرة أخرى، بل لأنك إن قابلتها ستتشبث بها، ولن تتركها للأبد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top