ثم تتوالى المشاهد والحلقات ليأتي مشهد نهايته ولحظته الأخيرة التي يجلس فيها متكئاً على سيفه بعد أن أثخنته الجراح ليرتقي إلى الله تعالى وهو يصيح قائلاً: “حي إلى الله”، وكأن حياته ما هي إلا معركة خاضها بكل شجاعة وإقدام وتضحية وفداء، تحقق له في نهايتها الشهادة في سبيل الله.
وبالنظر في هذه الحياة التي عاشها، على الرغم من قصرها فإنها مليئة بالمواقف الإنسانية والعِبر الأخلاقية والسلوكية التي كان لها أثرها العظيم وبصمتها التي لا يمكن أن تمحيها أي فتنة.
من هذه المواقف؛ إصراره على أن يبقى إلى جوار سليمان شاه وألا يتركه أبداً في أثناء الانقلاب العسكري الذي قاده كورد أوغلو على خيمة سليمان شاه.
إصرار يوافقه عليه ويتبعه فيه محمد فتحي رفاعة الطهطاوي، رئيس ديوان رئاسة جمهورية مصر العربية، الذي قام بتعيينه الرئيس محمد مرسي.
كتب نجل الرئيس مرسي عنه قائلاً: “لما حان الانقلاب، طلب منه أحد قيادات الانقلاب أن يخلي مكتبه ويترك الرئيس وحيداً، ولأنه -على حد قوله- ليس طرفاً في معركة الانقلاب، دخل السفير على الرئيس وأبلغه الأمر، فابتسم الرئيس وقال له: يا سعادة السفير، لقد أديت دورك وزيادة، ولو انصرفت ما ألقيت عليك لوماً أبداً”.
فرد قائلاً: “أنت ولي أمري، ولك بيعتي وطاعتي، أأتركك حين يحين أوان الرصاص وتمايز الرجال ويُعيَّر ذريتي من بعدي بأني فارقتك وقت الخطر. والله، لا يكون، إنما يفنى الرجال ويبقى ذكرهم”.
فَنِي ديلي دميير وبقي ذكره على لسان تورالي، ذلك الشبل الذي مات أبواه قبل أن يأخذه ديلي دميير إلى حضانته يرعاه ويربيه مع أشبال القبيلة على سير المجاهدين أمثال ألب أرسلان أو قصص البطولة والخيال فتزكو أنفسهم وتطمح إلى معالي الأمور.
كما بقي على لسان عبد الرحمن وحمزة وتورغوت ودوغان وبامسي، أولئك المحاربين الشجعان الذين رأوا فيه الأب الحاني يوم أن طردهم السيد توتكين ونفاهم من القبيلة.
أما هو، فكان سيداً بحقٍّ لا يدور مع القوة حيث دارت؛ بل يقف مع العدل حتى وإن كان ضعيفاً.
أذكر له ذلك الموقف المتجرد الذي سلم فيه بحكم سليمان شاه على ابنته آيكيز بالجلد، ولما ذهب إليه يزوره ويسأل عن حال ابنته هشَّ له وتكلم معه بكل تقدير واحترام.
وهذا هو شأن كل السادة الذين لا يخلطون الأمور بعضها ببعض، ويعرفون قيمة القرار الذي يؤخذ بعد الشورى والاجتماع، فيأمر عبد الرحمن أن يترك سلاحه ويذهب للقفص سجيناً، وينصح تورغوت ودوغان بأن يكفا عن إثارة أي مشكلة؛ لأن هذا هو قرار الاجتماع.
لكن حينما خرج قرار من الاجتماع بتسليم نويان، ذلك المجرم القاتل، إلى الأمير المشبوه سعد الدين كوبيك خرج ثائراً على القرار، وناذراً ألا يعود إلى القبيلة حتى يُقتل نويان ويأخذ بثأر ابنته آيكيز وسائر النساء والأطفال الذين قتلهم نويان في غارته على القبيلة؛ ليكون في هذا الخروج نهاية حياة بطل كرَّس حياته لتربية أجيال وصناعة محاربين.
وهكذا، ينبغي أن تُفهم الأمور وتوضع في نصابها الصحيح، فالاجتماع لا يسوغ القرارات الخاطئة، ولكن موافقتها للعدالة واقترابها من الحق هما اللذان يعطيان الشرعية لتنفيذها والتزام الناس بها.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.