المرأة في يومها اللي مش فايت

اليوم العالمي لتكريم المرأة يوم لا يوفيها حقها، ولا يعطيها قدرها مقارنة بما تقدمه المرأة طوال العام، بل طوال عمرها، وبما تجنيه من تقدير واحترام واهتمام عالمي في يوم واحد من كل عام، ولأن هناك مجتمعات قد لا تعي قيمة المرأة ولا تعظم حجمها وأثرها على المجتمع ككل لا ليوم أو لأعوام.

وحتى تقيم تلك المرأة المحتفى بها عليك أولاً فهمها “إن استطعت”! فلا يقاس عمر المرأة بالأيام والسنين، ومن حاول تقييم عقلها بعمرها فشل، ووقف حائراً هل هي فتاة في ريعان شبابها تمتلئ حيوية وحب المغامرة أم هي عجوز مخضرمة تضج منها الحكمة والتجارب!

المرأة مزيج كيميائي ندر من عرف سر تركيبته، وأهم من تخيل نفسه مدركاً لطبيعة تفاعله، فهي خليط يتصارع مكوناته أكثر من أن يمتزج، بل تتفجر عناصره أكثر منها تفاعلاً، هي باختصار عجينة لينة جداً لكنك لا تستطيع أن تشكلها، ولا تقوى على مقاومة نعومتها، وإن حاولت انتهاك نعومتها سوف تعاني من خشونة ملمسها!

هي باعثة للحياة إن عشقت، لكنها قاتلة للقلب إن كرهت، حين تعطي لا تعرف سوى السخاء، وحين تنتقم لا تتوقف إلا بالفناء.
عرف عنها أنها رمز الحنان، لا يتفوق عليها فيه سوى الرحمن، وسميت أنثى “أنث الشيء بمعنى لان”؛ لعدم قسوتها مهما عانت من الزمان.

يقول أوسكار وايلد: “النساء وجدن لنحبهن.. لا لنفهمهن”، وقد صدق لأن المرأة لا تفهم طبيعتها، وقد يصل الأمر إلى أنها لا تفهم نفسها أحياناً!

هي تلك الأم الحنونة، وقد تكون هي زوجة الأب القاسية، وهي تلك الحبيبة الرقيقة، وهي تلك الزوجة المتسلطة، هي تلك الجدة الحانية الدافئة لأحفادها التي كانت أماً شديدة في تربيتها لأولادها، هي الصديقة الوفية، وهي الزميلة المساندة والداعمة، هي المديرة المسيطرة، وهي نفسها الموظفة المطحونة.
هي رئيسة وزراء، هي فدائية في مستوطنة، هي حقوقية تطالب بالمساواة، هي سياسية مخضرمة.

نجدها كما نجد الرجل في جميع المجالات، لكن لا نجد الرجل يستطيع أو يصلح أن يكون في جميع مجالاتها.
هي تستطيع أن تعمل في أي مجال وتضيف على تلك المسؤولية مسؤولية الزوجة والأم، ولا تنسى دورها كابنة وأخت وصديقة وزميلة، أما الرجل يعمل ويعول أسرة، ولا يستطيع أن يكون ذلك الأب المتابع لدراسة وتربية أولاده، ولا يجد وقتاً كافياً لرعاية والديه والسؤال عن إخوته.

هي مؤمنة بدورها في الحياة، في تذليلها الحياة لمن حولها، هي تفكر في المحيطين قبل التفكير في ذاتها، هي معطاءة، حنونة، دافئة، متفانية… فقط إن أرادت حتى لا نجعلها ملاكاً.

هي متطلبة أحياناً، هي مبذرة ربما، هي عاطفية الحكم أكيد، مشاعرها تغلب رجاحة تفكيرها، وأحلامها تغلبها، فإن حققتها حلقت في السماء، وإن لم تستطِع دفنتها في أعماقها، لا تقوى على إخفاء غيرتها من مثيلاتها، إلا إن حققت ذاتها في شيء مختلف عن غيرها؛ لأنها تحب التفرد على قريناتها، ربما لقهرهن لا حباً منها في التميز دائماً.

عقلانية جداً حين تعطي النصيحة، مزاجية جداً حين يقدم لها نصيحة، متقلبة كالفصول الأربعة في يوم واحد، تجدها هادئة إن لم تتعرض لضغوط، عاصفة جداً إن أحست بتخطي الحدود، باردة الأعصاب إن أرادت كيد الأخريات، ساخنة المشاعر مع أي حدث يمسها كأنثى!

تراها تضحك ودموعها منهمرة، وتدرك أنها طفلة حين تفتقد، وتكون مراهقة أمام كلمة مدح أو غزل!
تشعر أنها حكيمة لتجاربها الصعبة، تصفها كالجمل في تحملها الألم، وتلمس قلبها حين تقدر معاناتها، أو تحنو على جرحها ولو بكلمة مواساة.

رأسها كالصخر، فعقلها أدرك معنى مواجهة الحياة فكيف لها أن تنكسر وهي التي أعطت بعداً آخر للصمود حتى تربي جيلاً آخر سيختلف عنها في التفكير والميول والاعتقاد والاحتياجات!

مشاعرها ناعمة لينة تذوب في كلمة حب وتتشكل بطيبة قلب، برقة تملكها، وبالقسوة تقتلها، بالتقدير تحييها، وبتقديرك لكبريائها تعظم العطاء فيها.

ببساطة هي خليط إن عرفت عنصراً منه تكون محظوظاً، وإن جهلت باقي مكوناته تكون منها منبوذاً!

هي لا تطلب منك المستحيل، حين أرادت أن تفهمها ولو بالقليل من العقل والمشاعر، فهي لم تطلب منك أن تجعلها تفهم ذاتها؛ لأن هذا هو المحال لك ولها.

في يومها العظيم.. تكلم معها لا تتكلم عنها، افهمها لا تدعِ أنك تعرفها، لبِّ احتياجاتها التي صرحت هي بفقدانها لا التي تراها أنت ضرورية لها، قدر النقاش معها لا تكتفِ بالحديث معها، أضحكها وقدّر دموع الفرح المنهمرة من عيونها، أسعدها بالكثير من الحب والتقدير، واعلم أنها قلب ينبض مشاعر ويحيا عطاء ويتفانى بالإنسانية.. كن لها ولا تكتفِ بأن تكون معها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top