أمي.. في عيدك أعتذر

بمناسبة يوم الأم، نزلتُ قاصدةً محل أدوات منزلية شهيراً، والدتي أم مصرية تقليدية تستهويها هدية لمطبخها أكثر من خاتم ذهبي أو حتى باقة ورد!

ثم إنها ليست الأمَّ التي تخبرك بسهولة بماذا تريد، عشت طيلة عمري وهي تعرف تماماً ما أحب وكيف هي ذائقتي في كل شيء، لكنها أبقت رغباتها سراً مقدّساً عني، لا أعرف منها إلا جملتها الوحيدة “اعتني بنفسك.. كلي جيداً؛ حتى لا تمرضي فيوجعني قلبي عليك، ولا تحزني على أي شيء في هذه الدنيا”.

هذه هي أمي وكل الأمهات باختصار شديد؛ عطاء يُتعبك من الركض خلفه وتتبعه، مصابة بإنكار ذاتٍ حادٍّ.. من السهل جداً أن ترضيها مني كلمة، ومن الأسهل -وبكل أسف- أن تبكيها مني أخرى.

تجولت في محل الأدوات المنزلية الذي اكتظَّ فجأةً بالزبائن، عروض وهمية يضعونها على السلع التي في مجملها باهظ جداً.. وقفتْ بجواري أمٌّ عجوز من هؤلاء اللاتي يبدو على وجوههن الطيبة والقرب، تشعر برغبة فورية في تجاذب أطراف الحديث معها، نظراتها تذكرك بالحبيبة التي أنجبتك.

كنت أنظر في شراء أداة طهي ما ونظرت هي معي، وفجأةً قالت: “هذه باهظة جداً يا بُنيَّتي نصيحة مني لا تشتريها من هنا، في المحل الفلاني يبيعونها أرخص! هؤلاء اللصوص يضاعفون أسعار كل البضائع المستوردة التي على وشك أن تختفي من السوق.. كان الله في عونكم يا أبنائي، كيف ستعيشون مع تلك الأسعار والمعاناة؟!”.

نظرت أنا لما في يدي وقلت شاردةً: “أمي تستحق الأجمل والأغلى، لو كنت أنا التي أريدها هي كانت اشترتها وما نظرت إلى السعر”.

في لحظة، رأيت دموع المرأة تلمع في عينيها وقالت: “نعم، بالتأكيد كانت ستفعل”.

أكملت شرائي ولم ألحظ أن تلك الأم توقفت عن الشراء، ووقفت على جانب ودموعها تهطل.. عدت إليها مذعورةً وقلت: “أين أبناؤك يا أمي، هل تشترين هدية لأحد؟”.

ملاحظتي لها جعلت دموعها تتوقف.. إن الاهتمام دائماً يعيد للبشر الحياة، حتى لو كان اهتماماً عابراً من غريبة مثلي.

قالت لي وابتسامة جسورة تشق ظلال وجهها الحزين: “ابنتي قاطعتْني منذ عام.. أنا أشتري لنفسي الهدية التي كنت أريد أن تشتريها لي، وأدعو الله أن يردها لي قبل أن يكون موتي هو عقابها”!

قلت لها وقد هيَّجتْ قلبي الكلماتُ، لدرجة أن عدوى الدموع كادت تصيبني: “هل تملكين رقم هاتفها، هلا أعطيته لي لأتصل بها الآن لتأتي”.

لكنها وكأي أم لا تحتمل التوسل، رفضتْ في لطف وغادرتني مبتعدةً مع الكثير من الأسى.

كم مرة غفرت لي أمي فيها؟ وكم مرة كنت قاسية معها؟ وكم مرة أغدقت عليَّ بلا حساب من وقتها وعمرها حتى أصبحت أنا نفسي أمّاً تركض خلف مشاقّ الأمومة المؤبدة وتكاد لا تشعر بأي نجاح يذكر فيها؟

كم أماً تنتظر اليوم أن يتذكر أبناؤها ما فعلته معهم؟ وكم أمّاً تحلم بمكالمة هاتفية تصلها من صغيرها الذي كبُر وقرر أنه في غنىً عن حبها ووجودها في عالمه؟
والأشد حزناً، كم أماً تبكي اليوم أبناً قد غاب عن عالم البشر أو قد حالت بينها وبينه السجون؟

الأمهات لسن ملائكة بالطبع، ولا أعرف ماذا فعلت تلك الأم حتى قاطعتها ابنتها عاماً كاملاً!
لكن الأكيد أنه ولا ركلة من ركلاتها في بطنها، ولا ألم مخاضها ومشاق تربيتها لأعوام.. نحن نكبر في هذه الدنيا من رحيق أعمار أمهاتنا اللاتي صببنه صباً في أيامنا.

عندما أنجبت قلت لها إني لن أغفر لها أبداً كيف أخفت عني هذا الألم طوال سنوات.. لقد كان حتى النفَس الذي يخرج من صغيري وهو نائم يؤلمني، أستيقظ مفزوعةً لأتأكد أنه حي، أمرض إن مرِض وأسهر، وقد وجدت في نفسي قوةً عجيبةً للبذل حتى يتعافى.

الأمومة حزن دائم وبهجة لا مثيل لها؛ وألم متواصل وفرح مخلوط بالهم؛ ودمعة معلقة في القلب لا تعلم إن كانت دمعة فرح أم شقاء!

في عيدك -أمي- أعتذر؛ أنا لست مثلك بعد أن شققت في الدنيا طريق الأمهات، رأيتني أكاد لا أشبهك مهما فعلت، فأنا لا أبذل لولدي مقدار ما بذلتِه لي، ومهما فعلت فأنا لا أستطيع تقديم هدية لك تعادل صخب تربيتي ومعاناتك معي ومع إخوتي حتى اليوم.

مهما حاولت أحبك حباً ضعيفاً جداً أمام عظمة حبك، وفي حاجة ماسة لأن أبقى معك طفلة صغيرة تتعلق بثوب صلاتك، تواسينها وتحدثينها عن الله، وتسألك ماذا أفعل في كل شيء، وتنتظر منك إجابات عبقرية تغير وجه الحياة في عيونها التي كانت -وما زالت- معجبة جداً بك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top