سلّم عليها يا وطن

الوطن بقعة جغرافية نُخلق فيها بلا قصد، وننتمي إليها بلا قصد، ونتعصب لها بعناد سافر وجاهل في كثير من الأحيان تحت مسميات عديدة، قد تختلف في التعريف الفكري، ولكنها تلتقي في تعصب واحد.

الوطنية ربما أحد هذه المسميات التي نرتديها، وتضيق على مقاسنا أحياناً فنرتديها بعنف حتى نمزقها!

بالطبع لا ننكر وجود مثل هذه الظواهر في كل المجتمعات حتى لا نلقي دائماً باللوم على تخلفنا عن الركب الحضاري العالمي، لكنها في الواقع تبقى محدودة أو على الأقل لها مسوغات ومبررات كردود أفعال فردية.

لكن دعني أطرح سؤالاً ألا وهو ما حاجتك أنت للوطنية إن كان لا وطن لك بل وما حاجتك للوطن إن لم تكن مواطناً بحق؟!

لو افترضنا مثلاً أن جدك مولود في رقعة جغرافية معينة وأنت في مكان مختلف وأولادك مندمجون في مجتمع آخر، وهذه حالة تنطبق على نسبة لا بأس بها في وطننا العربي، هنا أنت إلى من تنتمي وعمن تدافع وهم عمن يدافعون؟

ثم إذا ضاع الوطن مَن ينسج لنا وطناً؟

لكل إنسان -بلا شك- أماكن خاصة تُدعى الذكريات لا أحد يعرف عنها شيئاً إلا رُوحه ولا يعلم أسرارها إلا أعماقه.. لم يكن يوماً مُهماً أن تعلم أن غُرفتك مستطيلة الشكل أو متوسطة المساحة، بل كان الأبرز والأهم ذلك الشرخ الذي رسمتُه الأيام على حائطِ شُباكٍ تُراقبهُ ويُراقبك سنين وسنين.. إلى أن تُصبح عيوبكما لا تستحي من بعضها!

لا بُدّ من التفكير الواقعي الحقيقي بماهية العلاقة بين الإنسان والأرض والمكان وهل هي علاقة متجذرة فعلاً؟

فأن تترعرع وتنشأ في مكان لا يمد لأصولك بصِلة كما ذكرنا سابقاً ومن ثم تفاخر فيه، ربما هو نوع من الشيزوفرينيا التي سبَّبتها الوطنية أو الضياع القومي.

الواقع أن العلاقة بين الإنسان ومحيطه علاقة روحية شعورية ترسمها الظروف التي حلمت خلالها والمناسبات والأيام التي عانيت بها والوسط البشري الذي بادلك أفكارك وانسجم معها.

للأسف الكثير منا يختفي وراء إصبعه ويسب ويشتم بدافع “قضية وطنية”، هنا نقول تمهل واجلس مع ذاتك، تعرف على نفسك ومكانك في الوطن، وحجمك بالنسبة للوطنية، لن تجد شيئاً، وقد تحيا في وطن ثم تنتهي في تراب من نوع آخر- بمعنى أكثر دقة من كلمة وطن آخر- فلا الموقع الجغرافي ولا البعد والقرب من خط الاستواء يجعلك إنساناً أعلى قيمة أو أرقى بشرياً؛ لذا أنت من تصنع وطنكَ، وليس الوطن من يصنعك، وأنت من تبرز أصولك وتقرر انتماءك بما يحقق ذاتك وكرامتك وعيشك الكريم.أما الوطنية، فسلّم عليها يا وطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top