ابتسم لحظِّك ثم ودِّعه

لقد أصبح كاتباً مشهوراً حتماً؛ لأن والده كان كذلك، والآخر طبيباً فذاً؛ لأن والده هو الآخر طبيب فذ، أما هذا فقد أصبح ثرياً؛ لأنه تاجر في المخدرات أو ربما ذهب لتلك العرافة الشهيرة التي جلبت له الحظ والمال!

هذا هو غالباً ما نقنع أنفسنا به حين نرى الناجحين من حولنا، وقد حققوا أهدافهم، بينما نتحسر نحن على الحظ العاثر الذي قرع أبوابهم وتكاسل عن قرع بابنا حتى الآن، ثم نلعن ذلك الحظ الذي ينتقي أشخاصاً دون غيرهم، أو نردد الشعارات البراقة المحفوظة، فأنا لم أنجح لأنني شريف، ولا يوجد مكان للشرفاء في صفوف الناجحين، ظللنا نردد تلك الأوهام حتى آمنا بها وأعمتنا عن حقيقة الأشياء، فكل ما نعرفه عن الناجحين أنهم قد نجحوا بالوراثة أو سلكوا طريقاً معوجاً لتحقيق أهدافهم.

ربما لم نعرف أن كاتبة سلسلة قصص هاري بوتر، وهي واحدة من السلاسل الأكثر مبيعاً في العالم، قد رفضت دور النشر محاولاتها لنشر قصصها قبل أن تحتل شهرة عالمية، ربما لم تحظَ بها غيرها من سلاسل القصص، وربما لم نعلم أن هذا الطبيب الفذ قد تردد على مسامعه سابقاً كلمات على شاكلة: لن تنجح وزميلك فلان أمهر منك، لكنه تدارك أسباب فشله واعتزم أن يصبح الأكفأ في مجاله فسهر وكافح من أجل هدفه إلى أن بلغه بالفعل.

ولو اقتنعت أم أديسون، مخترع المصباح الكهربائي، برسالة معلمه في المدرسة، الذي أبلغها فيها أن ابنها غبي، وعليه المكوث في المنزل، أو لو يئس أديسون نفسه من النجاح في كل مرة فشلت مساعيه لاختراع المصباح الكهربائي -التي وصلت لألف مرة تقريباً- لربما عاصر العالم الظلام لأمد طويل، وربما انتهى المطاف بأديسون عاملاً بالتلغراف وخسر العالم واحداً من أكثر العلماء إنتاجاً في التاريخ البشري.

لكن حقاً كيف سننجح وتلك المأثورات تحاصرنا وتثبط عزائمنا، كمقولة: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، وحقيقة تلك المقولة أن ابن عمر بن عبد العزيز قد اشترى خاتماً بألف درهم، فأرسل له أبوه خطاباً يطالبه بإعادة الخاتم؛ لأن الجائعين أولى بثمنه، وأرسل له خاتماً منقوشاً عليه تلك المقولة على سبيل الزهد والورع، أما نحن فقد لا نرددها إلا بهدف تثبيط الهمم والتقليل من الشأن، فإن أخبرت أحد أصدقائك بأنك في طريقك لتأليف كتاب قيم، أو تنوي أن تصبح أحد مشاهير الأدب، فقد يقاطعك بتلك المقولة، حتى قبل أن تغلق فمك، مبرراً بأنه لا ينبغي لك مناطحة الكبار؛ لذلك فعلى سبيل الاحتياط عليك قطع صلتك بكل من يردد على مسامعك تلك المقولة.

إن خفتَ من تجربة كل جديد واستكنتَ لما فُرض عليك فسيظل الفشل أوفى صديق لك.

كيف ستعلم أنك كاتب موهوب إن ارتعشت يداك وأنت تمسك بالقلم؟ أليس ممكناً أن يكمن بداخلك موهبة كتلك التي أبهرنا بها العقاد وطه حسين وغيرهما.

كيف سينجح أبناؤك في حياتهم العملية ويخوضون معاركها القاسية إن منعتَهم من فتح كل النوافذ خوفاً عليهم من الآخر الذين سيواجهونه عاجلاً أم آجلاً؟

ربما الفارق الوحيد بينك وبين هذا المنفتح على العالم والذي يتحكم بمصيره جيداً ويحقق أهدافاً عظيمة وهو في سن أصغر منك، وقد يكون أقل ذكاء أيضاً هو أنك شخص انطوائي خجول غير واثق بنفسه، سد الأهل في وجهه نوافذ عديدة؛ ليتغلغل الظلام واليأس إلى جنبات نفسه، ولكن لا ينبغي أن تسوغ لنفسك المبررات لتحيا طيلة عمرك كما كنت، وإلا فستمر عليك تجارب الحياة واحدة تلو الأخرى دون أن تستفيد منها.

إذاً عليك التجربة الآن وليس لاحقاً

إذا أردت تحقيق هدفك فحاول أن تجعله هدفاً لا متناهياً، وليكن الرضا والقناعة ألد أعدائك في الحياة.

ليس المقصود بالطبع هو السخط على أقدارنا المكتوبة بل السعي الحثيث نحو تغيير ما يمكن تغييره فيها، فلا تردد مثلاً أن الله قد خلقك فقيراً ويجب أن تظل كذلك، ولا تتحدى مشيئته، فبالطبع الله لن يغضب إذا سعيت لامتلاك ثروة ما لم تتاجر في المخدرات بالطبع أو غيرها مما تنهى عنه الشريعة، وكلما وصلت لهدف عليك اختلاق هدف آخر، ولتكن أقرب مسافة بينك وبين أقرب منافسيك في ذات المجال أبعد مما يمكنه تخطيها يوماً ما، وإذا أردت شيئاً بقوة فإياك أن تطلق سراحه، فربما لن يعود لك مطلقاً، وبسبب تراخيك قد يلتقطه غيرك الذي قد لا يمتلك نفس مؤهلاتك.

عليك أن تصنع حظك بنفسك، كما قالها أحد الممثلين في فيلم تيتانيك الشهير.

لا أقصد هنا أن تدفع رشوة أو تشهر سلاحاً في وجه الآخرين؛ ليذعنوا لطلباتك، كما حدث في الفيلم، لكن إياك أن تنتظر ثروة يخبرك قلبك أو حظك اليوم أنها في الطريق إليك، فأنت تعلم جيداً أن ليس لك قريب في البرازيل أو أميركا ينتوي الموت قريباً، وليس عليك تصديق أن علي بابا حين قال: افتح يا سمسم، ترك سمسم كل ما في يده ليفتح له باب الكنز، وعليك أن تعلم أن لا أحد سينتظرك حاملاً وروداً جميلة؛ لأنك شخص طيب، ودود، فلن يعود ذلك بالنفع على الآخرين -ما لم تكن ثرياً بالطبع- وقد ينتهي بك المطاف حاملاً وروداً لثري آخر، بادرَ بالمجازفة ولم ينتظر مثلك، وإياك أن تصدق مقولة أن الحظ لا يطرق الباب إلا مرة واحدة، فالحظ لا يطرق الباب مطلقاً لا لشيء سوى أنه لا يمتلك يدين أصلاً، ليطرق بهما بابك، فعليك أنت أن تطرق الباب بقوة وحزم، وتنتظر أن يُفتح لك، فإذا ظل مغلقاً في وجهك، فتأكد أنك إما استخدمت أسلوباً خاطئاً، أو طرقت الباب الخطأ، فليس عيباً فيك مثلاً ألا تجيد الرسم أو كتابة الشعر، فحتماً تجيد شيئاً آخر لم تنتبه له بعد، ولكن عليك أن تعلم أنك مَنْ ستحدد الباب المناسب الذي عليك الدخول منه، ولا تُفرط في انتظار باب لن يُفتح لك.

ربما من المفيد أن تسمع نظريات الجميع حول النجاح، ولكن لا تطبق إلا نظرية قمت أنت باختراعها، فما يناسب غيرك ليس بالضرورة أن يناسبك، ولك أن تتخيل أنك إن ارتديت بنطالاً لمجرد أنك قد رأيته غاية في الروعة على رجل اختاره مناسباً لطوله، قد يتسبب في جعلك محلاً للسخرية إن كنت تفوقه طولاً، وفي النهاية فحتى التوائم المتماثلة ثبت علمياً أن ثمة وجهَ اختلافٍ فيما بينهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top