يجب أولاً توضيح مسألة معينة قبل الخوض في الموضوع هي: هل ما وصل إليه حال اليوم من أخطار وفقدان لليقين والأمان هو بسبب إخفاقات الحداثة أم بسبب انتصاراتها؟ يبدو لي سؤالاً وجيهاً لا بد من الفصل فيه، فالكثيرون منا حينما يتحدث عما آل إليه وضع العالم من صورة كارثية على كثير من الأصعدة البيئية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها سيتلفظ ليقول: إنها إخفاقات الحداثة، ولكن الحقيقة هي غير ذلك؛ لأن ما آل إليه وضع العالم هو بسبب “انتصارات الحداثة”.
قد يبدو أن الكوارث البيئية التي نعيشها اليوم هي دليل على أن الحداثة قد أخفقت في مشروعها؛ لأنها ببساطة لم تفِ بوعودها الأولى في تحقيق وتوفير السعادة للإنسان والأمان واليقين، وهذا صحيح، إلا أن عدم وفائها بذلك كان بسبب انتصارها مع نفسها وعلى الآخر، فحينما تم توجيه المعرفة والتقنية في الزراعة الجينية مثلاً فهذا انتصار للحداثة واضح وجلي، غير أن هذا الانتصار العلمي والتقني للحداثة كان له آثار جانبية غير مرغوب فيها على الضفة الأخرى، أي (الإنسان)، فالإنسان المستهلك لهذه المنتوجات الزراعية تضررت صحته بشكل ينذر بالكارثة، فانتصار الحداثة هنا انعكس سلباً على الإنسان، وكأنه سلة نفايات يرمى بها (إخفاقات الحداثة)؛ لكي نقول: احتفظت الحداثة لنفسها “تاريخياً” بالانتصارات، في حين شكلت تبعاتها إخفاقات احتضنها الإنسان والطبيعة معاً “واقعياً”.
انتصرت الحداثة على مستوى المؤسسة العلمية والاقتصادية فجعلت العالم سائلاً من حولها، وهو تماماً ما صبت إليه لترسم “صورة بلا إطار” لعالم يفتقد إلى حدود فاصلة وأُطر، فسالت التجارة وسالت رؤوس الأموال، وسالت الهجرة واليد العاملة والأدمغة، وسال البترول والطاقة، وسال التعليم (التعليم عن بعد)، وسال الزواج والصداقة (التعارف والزواج عبر المواقع الافتراضية)، وسال الإرهاب وتعدى حدوده القومية ليصبح ظاهرة معولمة تسيل من مكان إلى مكان؛ بل سالت حتى المشاعر فبات الفرد يحمل بين جنبات صدره مشاعر الولاء والطاعة والحب نحو اتجاهات خارج حدوده المكانية امتثالاً للحظة اللاقومية، حتى أصبحت المشاعر السائلة اليوم مشاعر كوزموبوليتانية لا تحكمها عقيدة الولاء والبراء.
وأنا أتحدث ها هنا عن هذه السيول الجارفة، استشعاراً مني لبلاغة مفهوم (الحداثة السائلة) الذي صاغه عالم الاجتماع البولندي سيغموند بومان، ورَآه بديلاً لـ(ما بعد الحداثة)، وإني كذلك أجده اللفظ الأبلغ والأقدر على توصيف الحالة تمام الوصف، بعدما كانت (حداثة صلبة على حد وصف بومان)، هي اليوم سائلة مائعة في كنف مجتمع معولم بلا سدود، ما جعل السيول الجارفة تغرق الأرض في مخاطرات وأخطار بات أمر التحكم فيها صعباً، وهو الأمر الذي جعلنا نعيش حالة من اللايقين واللاأمان.
هكذا انتصرت الحداثة وانهزم المجتمع، حتى إن الخوف أصبح سائلاً، وهو ما كتب عنه بومان في كتابه (الخوف السائل)، فانتقال انبعاثات المفاعلات النووية مثلاً من منطقة إلى أخرى (كحادثة تشرنوبيل النووية) يعني انتقال الخوف من منطقة إلى أخرى داخل أوروبا، كما أن زحف وسيلان الجماعات الإرهابية (كحالة لفرض السيطرة السياسية لقوى معينة وتنفيذ مشروع الدمقرطة عن طريق زرع الرعب الذي سيفضي إلى الاستكانة والاستسلام لمشروعها ذاك) من إقليم إلى آخر جعل الخوف يسيل من إقليم إلى آخر في حالة من “عولمة الخوف وفقدان الأمان”.
وهنا لا بد أن نقر حقيقة بانتصار الحداثة وانهزام الإنسان أمامها؛ بل سأقولها سوسيولوجيا انهزام شبكة العلاقات الاجتماعية داخل هذا المجتمع، وهو بعد آخر من الهزيمة المجتمعية لا يقل أهمية البتة، فشبكة العلاقات الاجتماعية باتت هي الأخرى سائلة لدرجة فقدت روحها المستمدة من ثقافة المكان والزمان، أصبح الجميع اليوم في عجلة من أمره، حتى العلاقات الاجتماعية في عجلة من أمرها، زواج سريع، طلاق سريع، صداقة سريعة، جيرة سريعة، اتصالات سريعة، بل حتى علاقتنا بالأكل كذلك سريعة (الأكل السريع)،
وهو ما يؤثر بدوره اجتماعياً على العلاقات والروابط التي تنسج حول طاولة الطعام، وحتى علاقتنا بالطريق سريعة (الطريق السريع)، ما جعلنا نفقد حتى الرباط مع الطبيعة، وكذا علاقتنا بالمطالعة باتت سريعة (حلول المواقع الإلكترونية ذات النصوص القصيرة محل الكتاب)، حتى علاقة المعلم بالتلميذ أجدها باتت سريعة في ظل ما يسمى اليوم بالتعليم السريع والدروس السريعة، لا سيما دورات التعليم والتدريب الإلكتروني، فانقطاع الرباط الاجتماعي بهذه السرعة هو من آثار انتصارات الحداثة، لا الجيرة أصبحت مهمة ولا الصداقة ولا الأخوة ولا الرفقة؛ إذ إن فرصة الحصول على وظيفة أفضل قد تضمن لصاحبها حداً أدنى من الأمان المستقبلي في ظل ما نعيشه من مخاطر وأخطار تجعله لا يكترث لإنهاء علاقة ما بحثاً عن حياة أفضل في مكان آخر! ولهذا بتنا نشاهد صداقات تبدأ وتنتهي بسرعة، زواجاً يبدأ وينتهي بسرعة،
جيرة تبدأ وتنتهي بسرعة..إلخ، والحضارة كما يقول ابن خلدون تحتاج إلى فترة طويلة من الاستقرار والثبات حتى تنشأ، أما نحن اليوم فنعيش حالة مما أسميه “العلاقات الطيارة”، ونريد جميعنا أن نمسك بهذا المجتمع الطائر بالهواء حتى نستشعر وجوده وكينونته، ولكنه كالزئبق.. ولعله من أجل ذلك سبق أن أكد عالم الاجتماع الفرنسي ألان توران في كتابه (براديجم جديد لفهم عالم اليوم) انتصار الحداثة على المجتمع؛ حيث أجدني أشبه الأمر وكأنه مقابلة كرة قدم انتهت إلى نتيجة: 1 للحداثة – 0 للمجتمع.
ففي مشهد تمتزج فيه مظاهر الحداثة ومخاطرتها مع فقدان الأمان واللايقين في المُستقبل، يمكننا أن نشاهد -مجازاً لا حقيقة- رجلاً أميركياً جالساً على أريكته يدخن سيجارة “مارلبورو” وهو يفكر في الآن نفسه في احتمالية أن تغرق أميركا فجأة، هذا حينما يستمر المحيط المتجمد الشمالي في الذوبان بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، فيترتب عنه ارتفاع منسوب مياه البحر؛ ليؤدي بدوره إلى إغراق اليابسة من حوله، حينها ستتغير ملامح الخريطة بزوال دولة أو قارة بأكملها، هكذا تكون مشاعر الإحساس بالخطر المحدق بالإنسان الحداثي، تماماً كما عانيناه نحن في فترة سابقة من خوف وفقدان للأمان الاجتماعي والنفسي، حينما غزا الإرهاب والعنف مجتمعنا، فباتت تلك الشجرة بعمق الغابة أو بسفح الجبل أو أعلاه،
والتي كانت تظلنا وتحوينا لقضاء وقت ممتع مع العائلة بعد صلاة الجمعة، نأكل الطعام ونحتسي القهوة، ونستلقي تحت ذرات الأكسجين المنعش؛ إذ كنا ننتظر ذلك اليوم بشوق حتى نجتمع معاً بعد أن فرقتنا ضغوط حَياة المدينة، أقول: باتت تلك الشجرة وتلك اللمة مصدر خطر لنا، وفقدنا الأمان في تلك الشجرة، رغم براءتها مما وصمت به من أخطار، هو الإنسان الحداثي الذي تدخل بشكل مباشر في تحويل الطبيعة من مصدر راحة إلى مصدر خوف، فأثر ذلك بشكل أو بآخر على قوة علاقاتنا الاجتماعية فأضعفها، ما جعلنا نفقد معنى أن يلتقي الأبناء بأبناء عمومتهم في يوم عطلة يتبادلون خبراتهم اليومية، أو يجتمعوا بالجد والجدة لسماع بعض القصص النادرة والممتعة تحت ظل شجرة، وهكذا..
وآخر القول: إن ما يجعل المخاطرة التي يتخذها الإنسان الحداثي تفضي إلى إخفاقات على مستوى المجتمع المحتضن لتبعات الحداثة هو ما نعتقده كمسلمين وكما عبر عنه أيضاً منظر المخاطرة الأبرز عالم الاجتماع الألماني “أولريش بيك” حينما كتب في كتابِه (مجتمع المخاطر العالمي: بحثاً عن الأمان المفقود)، يقول بأن ما وصلنا إليه من أخطار يكون سببه كذلك أن “الشيطان” قد تدخل في مرحلة اتخاذ القرارات أثناء صناعة المخاطرة، ما يجعلني أقول إن تغييب الإله من قيم ومعايير وسلوك الإنسان الحداثي المخاطر أفضى إلى استحضار الشيطان، فالفراغ لا بد أن تملأه إحدى القوى المتضادة (الخير / الشر)، وهو الأمر الذي يسوقني زمنياً لا مكانياً إلى قرون النهضة الأوروبية، أين بدأت فكرة المخاطرة تتجسد عبر الأعمال الأدبية والفنية، فكانت “رواية دونكيشوت” مسرحاً خصباً لتمرير فلسفة المخاطرة التي قامت عليها الرأسمالية الصناعية،
حينما قصقص دونكيشوت سلطة الإله في الحياة؛ ليخلو المعترك للإنسان الحداثي حتى يخاطر ويغامر انطلاقاً من قدراته الخارقة نحو البحث عن السلطة والقوة والربح والمنفعة واللذة القصوى..وهو تماماً ما روج له فلاسفة التنوير الأوروبي فيما بعْد مثل “نيتشه”، حينما كتب (هكذا تكلم زرادشت)؛ ليعلن بدوره عن موت الإله وولادة الإِنسَان الحداثي الخارق القوى..لننتهي إلى القول إن ما يعيشه الغرب اليوم من أخطار وفقدان الأمان والسعادة الوهمية بسبب قصقصة دور الإله في صياغة مصير الإنسان الحداثي وإطلاق العنان ” للمخاطرة” ابتداء من مجالها القومي، وانتهاء إلى مجالها الكوزموبوليتاني، وما أسفر عنه من أخطار جمة تهدد كيان الإنسان والأرض معاً، يجعلنا نقول وبصدق: أما آن للغرب اليوم إعادة إنتاج رواية دونكيشوت بطبعة جديدة معدلة بحيث يتم فيها تعديل الأدوار نحو الإقرار بدور الإله وسلطانه، مقابل تحجيم دور الإنسان المخاطر والمُجازف؟!
يقول الله تعالى: “ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آيَاتِنَا فكانوا عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون” (الحجر: 80 – 84)، لقد كان أصحاب الحجر وهم قوم صالح -عليه السلام- قوماً ذوي قوة ومال وعلم وتقدم وتمكن حتى إنهم لم يسبقهم أحد لا من قبلهم ولا في زمانهم في نحت الجبال بالدقة والتطور الذي كانوا عليه، ما جعلهم يشيدون مدناً من الجبال منحوتة بدقة عالية، رغم أنهم كانوا آمنين، أي يعيشون في (الأمان واليقين) ولا يحتاجون إليها؛ إذ لم يكونوا مهددين لا بسيول ولا بفيضانات، وإنما كانوا قوماً يبحثون عن الرفاهية والمنفعة وبلوغ أسمى درجات التقدم بتسخير ما لديهم من علم وقوة، إلا أن تكذيبهم بآيات الله جعل سخط الله عليهم يحل، فكان العقاب أن أخذتهم الصيحة والعذاب وفقدان الأمان واليقين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبونه من علم ولا ابتكارات ولا قوة ولا مال ولا سلطان.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.