كان ملاكها الحارس، ولذلك مميزات كثيرة، فهو يضمن أن يرافقها في كل مكان، ويملأه الشغف عندما تسعد برؤية الأماكن الجديدة -حتى لو كان قد زار تلك الأماكن مئاتِ المرات من قبل- ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة عندما يرى ضحكتها الطفولية وهي تتذوق مشروباً أو طعاماً لأولِ مرة، وتكاد رئته تنفجر من نفسٍ عميقٍ سحبه؛ ارتياحاً لأنه من رشح لها هذا المشروب أو الطعام الجديد، يعرفُ عنها كل شيء أولاً بأول، فما تهمس به لنفسها وما تخفيه عن الجميع، هو صاحبُ الحقِّ الوحيدِ في معرفته.
ربما نعتقد أن أحداث فيلم “مدينة الملائكة” خيالية، ولا تمت لواقعنا بصلة، لكني على العكس تماما، أرى ارتباطاً وثيقاً.
كثيراً ما يكون أحدنا ملاكاً حارساً في حياة شخص آخر، يستطيع أن يلعب دور سيث (نيكولاس كيدج)، ويبقى بالقرب مِن الدكتورة ماجي (ميج ريان)، يتميز بما لا يتميز به غيره، ويكنّ للطرف مشاعر غير طبيعية لا يجيد صياغتها، ولا يعرف معناها، ولا يفهم سببها، ويجد قيوداً بالغة في التعبير عنها، كما صور لنا الفيلم العظيم تماماً، لا يستطيع أن يفعل ذلك؛ لأنه ليس بشرياً بعد، لا يدرك القيمة الأساسية التي تستطيع تحويله إلى إنسان (العفوية).
أحياناً لا نستطيع المضي في مجابهة مشاعرنا أكثر مما قد فعلنا، وستكتشف وقتها كما اكتشف سيث، أن السبيل لذلك هو أن نصبح بشراً لا ملائكة، وبالتالي تنسق مع إنسانيتنا، نُصيبُ ونخطئ، ونؤمن بأنه كما لأي إنسان نهاية، فمن الطبيعي أن تكون لتجاربه نهاية.
عرف سيث الطريقة، وتحول من ملاك إلى إنسان، وقابل ماجي ووقعا في حب بعضهما في الحال، فكيف لا؟ أليس ملاكها الحارس سابقاً، كاتم الأسرار، من تشارك معها في مصائبها، وكانت أفراحها بين يديه، من يعرف أدق تفاصيل الروح والجسد؟!
معاً على ذلك الكوبري الخشبي غير المكتمل على المحيط، تتدلى أرجلهما استجابة لمداعبة مياه المحيط الرقيقة، خلفهما ذلك الكوخ الخشبي في سفح الجبل، الذي شهد ليلتهما الأولى في جنة حب متمرد وثائر.
كانت ليلة واحدة، ثم رحلت ماجي، لا فرق في الرحيل، إن ماتوا وذهبوا، فقدنا مَن نحب على أية حال، تخيل نفسك وأنت في موقف سيث، سيتحمل الذنب وحده وتقتل نفسك بالأسئلة:
أكان من الأفضل أن أبقى ملاكها؟! أأنا السبب في رحيلها؟! كان يمكنني أن أظل بجواره فترة طويلة، وأن أتحمل ألم وجودها مع شخصٍ آخر وأنا قريب منها، لا أن أفقدها.
على أية حال، تستمر الحياة رغماً عنا، وتبقى الأسئلة السخيفة لتعبث بنا وتنتهكنا، لكن سيث أرسل لنا رسالة في غاية الأهمية في المشهد الأخير.
سأله صديقه الملاك: وماذا الآن؟ لقد فقدت الخلود من أجل يوم واحد؟! ألا ترى أنك كنت مخطئاً؟ رد سيث: أصبحت إنساناً، أصبحت أشعر بملمس ماء المحيط على جسمي.. ثم نزع ملابسه وانطلق مسرعاً يسبح ضد التيار.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.