أكان لا بد أن تعبري الطريق يا نهاوند”2″| صفراء فاقع لونها

كأن السلم لا نهاية له، أربعون درجة متحفزة ولا مفر من الصعود، وتتبع كل هذا اللون الأصفر، لون لمبات الإضاءة الزجزاجة مع انحناءات الدَرَج تُشعرني بثقل الأشياء والهواجس، وافتضاح الوقت على قارعة زمن مثقوب.

أعد الدرجات فأخطئ، وأفرك جفوني ثم أستسلم للصعود الحلزوني، تلمع في رأسي فكرة، ماذا لو تم إلغاء السلم؟ هل ستكون الهاوية أم الحرية؟ ليس على السؤال من حرج، فلا طقس ولا إطار للخيال، ولا للبرهان إن خذلنا.

كان ذاك المدرس العشريني الأسمر مفتول العضلات في مدرستي الابتدائية، يقفز كل يوم من الدور الثاني واقفاً، ويختصر نزوله السلم المزدحم بنا، نهرول عليه نزولاً وصعوداً طائشاً، دون أن يدقق أحد النظر أمامه، يقولون إن المدرس الشهير صاحب عضلتي الباي والتراي والبطن المشدود، كان غريباً عن بلدنا، ولا يتذكرون حرفاً من اسمه، ولا حتى يستطيعون أن يحصوا عدد المرات التي جمعتهم معه في مقهى البلد الصغير.. هو المنسي لولا مشهد موته المحكي في كل الجلسات والمقاهي، يندهشون ويفتحون أفواههم عن آخرها ويقولون: “الغريب مات موتة عادية، كان نازل على السلم.. وقع مات”.

هو سلم غير ذاك السلم الخشبي المرمي على جدار بيتنا القديم المسقوف أيضاً بعروق خشبية انتزعت من أشجار مختلفة تشابكت فروعها على منعطفات الطرق، أو تصدرت الغيطان والمزارع، وفيها اختلطت الألوان ما بين الأخضر والأصفر، كانت جدتي تُثبت السلم الخشبي كأنها تزرعه في الأرض؛ لتعيد بهاء شجرته الأم، ثم تُعطي إشارتها لنساء البيت والجارات اللاتي أتين للمساعدة كي يصعدنه، وهن يحملن على رؤوسهن مقاطف القمح أو الذرة أو لفائف القش والحطب لتخزينه بجوار المنحل الصغير المنزوي في ركن ضيق يعبرنه بسرعة، كأنهن يخشين أن تصيبهن شظية أو لعنة، لا ينجح أحد في فك طلاسمها.

قبل صعودهن، كن يفترشن المصاطب أمام البيوت، يقشرن أكواز الذرة ويثرثرن بأسرار لم أدركها في عمري الصغير كما لم أدرك حينذاك سبب التفاف الرجال أمام شاشة التليفزيون وهو ينقل بالأبيض والأسود أحداث توقيع اتفاقية كامب ديفيد: الرئيس الأميركي جيمي كارتر يتوسط الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.

السادات كان يرتدي بذلة صيفية أظن كان لونها أبيض، عكس الأسود الذي انسحب على وجوه الرجال وهم يتابعون التوقيع في صمت، كنت أسمع جدتي تحكي عن ابن شقيقها الذي التحق بالجيش قبل ولادتي بسنوات، وذهب إلى سيناء في 1967، وكذلك كانت أمي تحكي عن خالي الكبير الذي شارك في الحروب الثلاث: 1967، والاستنزاف، والعبور، فيما لم تخلع جارتنا الأسود منذ مات ابنها في النكسة، تنتفض جدتي وتتحرك من مكانها، تضبط إيقاعها وهي تنظر مزهوة إلى السلم الخشبي العالي كأنه يملأ الفراغ بين الأرض والسماء، وتردد بعد البسملة: “وأما بنعمة ربك فحدث”، يقول ابن سيرين في تفسيره لرؤية السلم في الحلم، إن السلم المطروح أرضاً مرض وانتصابه صحة، وتراه جدتي جسراً يصل بين فراغين، متاهة في الدنيا والسقوط سهواً في الآخرة.

الأصفر يشيع في هذا اليوم الخانق، وتتحجر الشمس في عيني، فأغمضهما كما حدث في يوم أصفر آخر حين ذهبت مع أبي وأمي إلى القاهرة في نهار رمضان من يوليو/تموز 1980 لزيارة رفيق عمره الذي يقطن في المعادي، أتشبث بيد أبي بعد أن غادرنا التاكسي الذي وقف دهراً في طريق لا يتحرك مروره، وضجّ بنفير السيارات، وأكاد أتلاشى مع أبي وأمي وسط الزحام؛ بشر يسيرون على غير هدى، ويتمتمون: “جنازة شاه إيران”، كان محمد رضا بهلوي قد هرب بعد ثورة الخميني عام 1979 في إيران، ودعاه السادات للإقامة في مصر حتى مات، وأقام له جنازة عسكرية ضخمة، وتحولت شوارع القاهرة إلى شواهد نفي للمنطق، يغوص الجميع في الزحام، والأجفان معلقة على شبح انفراجة، فشلت محاولات أبي كي أشرب العصير الذي جلبه لي وهو يقنعني أنني ما زلت صغيرة على الصوم، بينما هو يقاوم عطشه بوضع بعض الثلج على جبهته وجبهة أمي، ونحن نصعد دَرَج سلم المشاة، وأقاوم وحدي نحلة طائشة لا أعرف كيف شقت كل هذا الاصفرار وظهرت.

أتذكر شقيقتي الصغرى حين صعدت خلسة ذات مرة السلم الخشبي في بيتنا، ودلفت إلى المنحل المنزوي؛ لأنها رأت دبوراً يقتحمه، كانت قد قرأت في قصة مدرسية أن الدبور حين يهاجم خلية النحل فهو يسرق العسل، وأنه أيضاً يقتل شغالات النحل الطيبات الكادحات؛ لذا قررت شقيقتي أن تدخل وتطرد السارق، فما كان من النحل إلا أن التف حولها وهاجمها وتعرضت هي للسعات النحل، تلسع نحلة يدها التي امتدت للمساعدة، تصرخ شقيقتي غير مصدقة أن السارق ينجو بفعلته، فيما وقعت هي في الفخ، ولا تدرك أنها في هذه اللحظة بالذات تتدرب على الحياة، تظهر أمي كأنها خرجت من اللامكان، تقترب من شقيقتي وهي تهش النحل، وتقول بصوت وسط بين البكاء والضحك: “قَرْص النحل عافية”، تضحك جدتي ضحكتها الرنانة، وتمسح دمعة هربت على خدها، ثم تُكحل عينيها بريشة تغمدها في المكحلة الفضة التي جاءتها من الحجاز، هكذا كانت تحب أن تنطقها، وهي تؤكد كل حرف فيها بصوت مبحوح ومحب، ولما كنت أنا أرفض أن أستجيب لها وأجعلها تُكحل عيني، كانت تقول: “عبيطة مش فاهمة، ده كحل غالي من أرض الرسول بيجلي العين، ويخليها واسعة زي عين البقرة”، فأشاكسها وأردد كما يغني الأطفال في بلدنا:
يا طالع الشجرة .. هات لي معاك بقرة
تحلب وتسقيني بالمعلقة الصيني

تحاول أن تُخفي ابتسامتها، وإن لم تستطع أن تُداري فرحاً خفيفاً انسحب على ملامحها، ثم تستكمل طقسها الخصوصي، وتُمشط شعرها بعد أن غسلته من الحنة، وقد تجردت من جدية الجدة واشتعلت بفتنة الأنوثة، فتعيد صياغة صوتها وتصير امرأة مدللة، ورغم أن لون شعرها كان ذلك اللون الاستثنائي ما بين الأحمر والبرتقالي، لكنها كانت تلف جدائلها وتفردها تحت الشمس، وتقول: “أصفر، سنابل دهب”.

كانت جدتي تُطيل في الصلاة كما تُطيل الوقوف أمام المرآة، تحضر الأفراح بنفس الاستعداد لحضور المآتم، لا تخاف الموت، لكن تصنع له جلاله، معادلتها الثنائية في مجتمع مزاجه ثنائي أو ازدواجي أو سموه ما شئتم، فيما أقف أنا عند هذه المسافة الميتافيزيقية بين الشيء ونقيضه، ما يناسب فعلاً شخصيتي الجوزائية نسبة للبرج الفلكي وللمجتمع الموزّع بين الفقر والزهو بالعراقة، فيبدو الأمر كأنه اختيار أو ملمح صوفي يصنع سمواً فلسفياً، وفي ذات الوقت لا يعرقل الطموح، سيطرت الفكرة على رأسي أنا ابنة أمي التي ربتني جدتي، فكنت أسير في الشوارع وأرتجف، وحالي ما بين النوم واليقظة، حتى تحول الأمر إلى فانتازيا، والفانتازيا إلى كابوس، مثل ذلك الحلم الذي كنت أراني فيه أقود “موتوسيكل” على درب طويل دون أن يرشدني أحد، بل إنني في الأساس لا أعرف كيف أقود دراجة أو “عجلة” كما ننطقها بالعامية المصرية، والغريب أنه لا أحد في هذا الحلم العجيب أكترث للمشهد الذي انتهى بلافتة صغيرة كُتب عليها بالأصفر: “الاستغناء فضيلة”.

حاولت مراراً أن أتحرر من الأصفر، فأقنعت نفسي بأنه لون الخبث والمرض “ضحكة صفراء، صحافة صفراء، وشه أصفر زي الليمونة”، لم يغوِني الأصفر ولا ذهبه رغم محاولاته المتكررة، درست علم النفس وتظاهرت بالخضوع لنظرياته بأن الأصفر لون الثقة والانطلاق، فصبغت شعري بالأصفر وكذا قمت بطلاء جدران بيتي، لكن هذا لم يمنع ارتباكي كلما خطوت لتجربة جديدة، وظل الأصفر لا يعني لي سوى أنه لون الصحاري الجافة والطبيعة الميتة، على الرغم من مجادلة جدتي وهي تفيض في وصفه: الأصفر نور، لون الشمس والحياة العفية. ولما لا أهتدي، كانت تستشهد بالقرآن: “إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ”، وحين أرد عليها: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ”.

كانت تشيح بوجهها عني وتكتفي بنظرة واحدة لقطتنا السوداء تأمرها بالفرار، فجدتي كانت لا تخشى القطط السوداء ولا تراها نذير شؤم أو أرواحاً شريرة، جدتي لم تعرف “باستيت” إلهة الحب والخصوبة عند الأجداد، ولم يخبرها أحد أنها ابنة إله الشمس رع، لها جسد امرأة ورأس قطة، وبالطبع لم تدرك أبداً العلاقة بين باستيت الوديعة وسخمت الغاضبة والمنتقمة، بين رأس القطة ورأس اللبؤة، أو أنها تسكن في قرية كانت تتبع في الجغرافيا القديمة ممفيس المملكة المصرية القديمة التي قدست القطط وعبدتها، لكن جدتي كانت تحذرنا من المساس بقطتنا السوداء وتُزيح عنا الخوف، فتخبرنا بأن القطة ملاك حارس، ثم تضحك وتقول: “بس هي إذا كانت ملاك، فأنا ملكة”.

جدتي لم تطلق أبداً اسماً على قطة في بيتنا الذي لم يخلُ من القطط، فقط هي اسمها قطة ووجودها مغوٍ للمشاكسة والتعلق بظلال الروح الشاردة، تنهانا الجدة عن أذيتها وتحزن بشدة إذا ماتت إحداهن، كل قططنا كانت إناثاً ولم أعرف ولو مرة لماذا تموء القطة وتتمسح في الأرض وتتحول إلى كائن هيستيري، ثم تخرج فتعود منتفخة ببطن كبير وبعدها بشهرين تقريباً تلد، كنت أصغر من أن أدرك ما يريده هذا الكائن الدقيق التكوين أو رغبته في التزاوج صعوداً إلى مرحلة حياتية جديدة ومختلفة، وانجرافاً مضرَجاً بنضوج جنسي وافر، لكن سكنتني الصورة الثابتة للقطة الأم وصغارها في كرتونة صغيرة مفروشة بقطعة قماش نظيفة، وظل غامضاً بالنسبة لي حتى هذه اللحظة هروب الذكور ومكوث الإناث من الصغار الجدد، هو الخيط الذي يُكر كلما حطت قطة في بيتنا فتجلب لنا المزيد من الإناث، البيضاء والصفراء والرمادية والمزركشة والسوداء، واحدة منهن سوداء لم يحلُ لها أن تلد إلا في درج مكتبي الصغير، تسللت وبخبث مقصود إلى غرفتي الممنوع عليها دخولها وقفزت فوق مكتبي واختبأت في الدرج ثم بدأت في مواء متقطع اهتز المكتب على إثره وعلى صرختي، جرّت أمي الدرج وأخرجته مليئاً بصغار على أوراقي ومذكراتي المدرسية، صارت القطة السوداء بلا اسم حارسة بيتنا الصغير المحاط بالغيطان والشجر، تقف قليلاً في الحديقة الأمامية، ثم تتجول حوله وتصعد إلى السطح وتنزل لتجلس إلى جوار قدم أمي، فر صغارها ذكوراً وإناثاً ولم يتبق سوى وريثتها الوحيدة السوداء تشاركها نوبات الحراسة حتى دبرت الصدفة حيلتها لموت القطة الكبيرة حين تناولت بالخطأ قطعة جبن مسمومة وضعها أبي بجوار البوابة الكبيرة ليصطاد فأراً راوده كثيراً في جلسته الصباحية وهو يتناول الشاي.

صديقي التركي كان لديه هو الآخر قطاً حبشياً مات بالخطأ حين قفز من الشرفة العالية رغم ذكائه ونباهته، ملبياً نداءً زائفاً لصاحبه في الشارع، “سنفرو” كان اسمه رآه صديقي مناسباً لقط له أصول مصرية، وكان “سنفرو جسمه نحيفاً يغطيه شعر كثيف لونه النحاسي مُخطط بالأحمر الداكن، عيناه الخضراون كانتا الأكثر براءة، أَحَب التدليل والمداعبة لكن لم تلزمه أبداً المراوغة كـ”قيصر” القط الشيرازي الأصفر الجديد لصديقي الذي اعتاد أن يحمله معه أينما كان، ودون أن يسأله أحد عن السبب يبادر من نفسه، ويقول: “مسكين مالوش غيري أسيبه لوحده في البيت يعني”، كان قطاً مدللاً شقياً، ينظر إلى ضحيته بعينيه المستديرة ثم يقفز عليه فجأة ويخمشه بأظافر سيقانه القصيرة أو يتمسح فيه بشعره الغزير، ويغضب صديقي جداً إذا أخبرته أن قطه الأصفر يستفزني، ويظل يُعدد في محاسنه وجماله ككائن لا شبيه له، ويتلعثم كأن موسوعة الكلام أو قاموسه لم يسعفه، فيصمت برهة قبل أن ينزل على رأسي كالصاعقة، وهو يقول: “وبعدين هو لونه مش أصفر، ده مشمشي”.

لا شيء كان ينقصني سوى غضب جديد، يُضمخ وجهي باحمرار آخر مع أنني حصلت على نصيبي كاملاً هذا العام من الأدرينالين والضغط وغليان دم القلب والنزعات الشيطانية، وأتطلع إلى حياة منزوعة الغضب، يمسك صديقي التركي بيدي وأنا أسير بجواره بسرعة السائرين على الحبل، وحين نعبر الشارع يسألني مندهشاً: كيف جاءت الكلاب إلى مصر؟ كيف حدث ذلك وأنتم يا عزيزتي حضارة القطط؟
وللحكاية بقية..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top