ثم تغفر

توهج نور القلب وصار ينبض نبضاً مختلفاً عن المعتاد، وأصبحت العين ترى من جمال الدنيا ما لم تكن تحسبه موجوداً من الأساس، ألم يكن موجوداً حقاً أم أنها حواسنا المخادعة التي لا تعير انتباهاً إلا بما تشاء؟ لا يهم الآن، أو لم يكن يهم وقتها، فالمهم أن الدنيا صارت أجمل، وفي لمح الأبصار تحولت الأيام إلى حواديت خيالية من وحي مؤلف بارع الدقة والجمال، تلاشت كل الألوان الرمادية وصارت ألواناً مبهجة يسر لها النظر، ثم إن تلك الليالي لم تعد مظلمة كما كانت من قبل، فالظلام صار أشبه بمَلكٍ يتنزل في الليل تاركاً عرشه العالي كي يتفقد أحوال هؤلاء الساكنين خلف النوافذ،

ثم يتساءل المرء عن السبب الذي يجعله متلهفاً لكل شروق جديد رغم أنه لم يكن يكترث لصباح أو ليل من قبل، ثم يتساءل عن تلك الحالة التي بدأت تسكنه وتسري في روحه مجرى الدم من العروق، دون أن يملك القبول أو الرفض، هل لنا أن نقبل أو نرفض الحب؟ لم يكذب أحدهم حينما وصف الحب بأنه كما السهام، تصيب فلا تدري أين المفر، أو أنك في الواقع لا تريد الفرار من الأساس.

هكذا البدايات أغلبها، هي حالة السكر التي لا تتبعها إفاقة ونشوة القلب الذي طالما أنهكته الغُربة، وحده الحب مبرر الأشياء جميعها، خيرها وشرها، وكأنه العلة الأولى التي يبحث عنها الفلاسفة في كل قضاياهم، متظاهرين أنهم لم يتوصلوا إليها بعد، رغم أنها جلية منذ أن وُجدت حواء تؤنس وحدة آدم، يقولون: لا تثقوا في سحر البدايات فهي حتماً تزول، وأقول: إن ما يزول ليس الحب؛ لأن الحب كجذور شجرة ذات مائة عام لا تقتلعها أعتى الرياح، ربما ما يزول هو وهج الانبهارات الأولى وليس أكثر، لكن ما دام وجد الحُب، فلن يزول أبداً، ولو تظاهر البشر بعكس ذلك، وكثيراً ما يفعلون، وكثيراً ما فعلت أنا.
ولأنها دنيا وليست جنة، فالكمال مستحيل والخلود أكثر استحالة، ربما أن الحب هو الشيء الوحيد الخالد في نفوسنا ولو غادرت الأجساد،

فهو يبقى متأصلاً يزداد أصالة بمرور الوقت، لكنها في النهاية دنيا، ولتلك الدنيا قدرات تفوق تمسكنا بمن وجدنا لديهم الحب، فالفراق كثيراً ما يتبع البدايات الجميلة ويحولها إلى نهايات دامية، ومهما تعددت الأسباب فالفراق واحد، وانكسار القلوب على اختلافها واحد، ودون أن نشعر، تتحول محبتنا إلى كراهية ولعنة للظروف وللفراق وربما للشخص المُفارق، فكم من متهاونين باسم الحب يعيشون وسطنا ولا نميزهم في البداية، يرسمون لنا الطرق الوردية المحفوفة بالزهر ثم لا نجني من تلك الزهور سوى الأشواك.

وعلى الرغم من أن الكراهية وحب الانتقام ليست بفطرة إنسانية، فإنها سريعاً ما تجد طريقها إلى أنفسنا المنكسرة، توحي لنا أنها مصدر النجاة، وأن الانتقام ليس إلا إثبات القوة، والحقيقة أنهما ينهشان فيما تبقى منّا إلى أن نتحول إلى رماداً يتطاير مع أرق نسيم، وهكذا ظننت أنا أيضاً، ففي لحظة لن تستطيع تحديدها فيما بعد تشعر أن حواسك كلها لا تدعوك سوى إلى الانتقام وإلى تجرع المزيد من كأس الكراهية حتى يمتلئ بها جوفك تماماً، والحقيقة أنك كلما تجرعت منها أكثر ازداد حجم شقائك وطال وقت معاناتك، فما الكراهية سوى ضعف،

وما الضعف سوى إنهاك النفس إلى أن تلفظ آخر أنفاسها.
ثم تغفر في لحظة أخرى، أظنها الأعظم في تاريخ الرحلة كلها، في لحظة أخرى تقرر الغفران؛ لأنك استطعت الإفلات من قيود ضعفك، وتمكنت من تجاوز انتقامك.. وغفرت، ولا يهم لمن ولأي شيء غفرت، فالغفران في حد ذاته قوة ومثالية وحياة! تغفر لأنك ما زلت راغباً في الحياة؛ لأنك أقوى مما كنت تظن، ولأن الكراهية والانتقام لم يجلبا لك سوى مزيد من التعاسة والشقاء، لا أظن أن هناك قوة تفوق قوة الغفران، الغفران النابع من جذور قوية، ليس الغفران النابع من قلة الحيلة.

ثم تغفر لأنك قادر ما حييت على أن تطوي الصفحة، وتبدأ من جديد، ولن يطوي لك الصفحة سوى الغفران، ثم تغفر لأنك تستعيد الثقة فيما سلبه منك الفراق، ثم تغفر لإيمانك أن الغفران سيُبقي جذور محبتك في أيدٍ أمينة دون أن يشوبها أذى؛ لأننا في الحقيقة نتمسك بجذور الحب ولو انتهى كل شيء، ثم تغفر ليحيا بداخلك ذلك الحُب إلى الأبد شئت أم أبيت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top