الأم كلمة صغيرة وحروفها قليلة، لكنها تحوي أكبر معاني الحب والعطاء والتضحية، فهي أنهار لا تنضب ولا تتعب متدفقة دائماً بالعطف والحنان، وهي الصدر الحنون الذي تلقي عليه رأسك، وتشكو إليه همومك ومتاعبك، وهي العون في الدنيا، وهي التي تدخل الجنة، فقد أتى رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم وقال: “إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال عليه الصلاة والسلام: هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: فأبل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد فإذا رضيت عنك أمك فاتق الله وبرها” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمن روائع خلق الله قلب الأم، وما تعلمته على ركبتي أمي لا يمحى أبداً بل وحين أنحني لأقبل يديها وأسكب دموع ضعفي فوق صدرها، وأستجدي نظرات الرضا من عينيها حينها فقط أشعر باكتمال رجولتي، فقلب الأم مثل عود المسك، كلما احترق فاح شذاه، فبكِ يا أمي أستطيع أن أعرف الله وأرى الجنة، وروي أن رجلاً طاف بأمه حول الكعبة سبعة أشواط، وهو يحملها على ظهره، وعندما انتهى سأل ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: يا ابن عمر، أتراني قد جازيتها؟ قال: لا ولا بزفرة من زفراتها.
ولما ماتت أم إياس القاضي المشهور بكى عليها، فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما.
وقال عنها الإمام الشافعي: واخضع لأمك وأرضها فعقوقها إحدى الكبر.
أمي.. لا تؤم القلوب إلا إليك ولا تلين الصخور إلا لحنانك.. فكم ضمتني عيناك، وكم أهديتني القبل، وكم أتعبت من جسد، وكم أرقت من جفن لأرقد ملء أجفاني، وأرسم حلو أحلامي، ويوم فرحت لا أنسى صدق بسماتك وتغاضيك عن آلامك، ويوم أروح لا أدري طريق العود يا أمي.
أمي يا نبع الحنان.. يا صوت الأذان.. يا ضوء يسرقني بين أضواء المدينة من مطارات العواصم، أهديك قطرةً من الخليج وزهرةً من بستان الأريج، وكلمات حب من القلب البهيج، يا كلمةً في كتاب أنت معناه ومحتواه.. أمي يا قمراً يضيء ليل سمائي، يا من أوجب الله برك والإحسان إليك.. يا من جعل الله جنان الخلد تحت قدميك.. يا من تعطي دون انتظار مقابل، فأنا أفخر وأفتخر بك أمام جميع البشر.. أرفع رأسي أمام الدنيا وأقول إنك أمي.
الأم هي نصف الدنيا.. هي أساس البيت وعمده، فمنذ الصغر تجد أن البنت الصغيرة من حداثة سنها تلهو بعروس صغير وتلعب هي دور الأم، فسبحان من غرس فيها غريزة الأمومة، وهو الإحساس الذي يحركها نحو أبنائها بعد ذلك، ويقول العلماء إن الأم عندما تلد طفلها فإنها تتحمل آلاماً تساوي آلام تكسير 20 عظمة داخل جسم الإنسان، ولكنها بعد لحظات تنسى كل هذه الآلام بمجرد رؤية المولود الصغير.. ويقول الشاعر:
أوصى بك الله ما أوصت بك الصحف ** والشعر يدنو بخوف ثم ينصرف
ما قلت والله يا أمي بقافية ** إلا وكان مقاماً فوق ما أصف
يخضر حقل حروفي حين يحملها ** غيم لأمي عليه الطيب يقتطف
والأم مدرسة قالوا وقلت بها ** كل المدارس ساحات لها تقف
إن قلت في الأم شعراً قام معتذراً ** ها قد أتيت أمام الجمع أعترف
وعن بر الأم يقول الشاعر:
لأمك حق لو علمت كبير ** كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ** لها من جواها أنة وزفير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها ** وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسها ** ومن صدرها شرب لديك نمير
فدونك فارغب في عميم دعائها ** فأنت لما تدعو إليه فقير
فإن عطشت طلبت الماء من الدنيا فلم تسمعني، نطقتك باسمك فارتويت، وإن سألوني يوماً عن كل ما هو جميل في حياتي سأكتفي بذكر أمي، فالأم مطعم إذا جعت، مستشفى إذا مرضت، حفلة إذا فرحت، منبه إذا نمت، دعوات إذا غبت.. فهل يا ترى بها أحسنت؟
أماه إن الدمع في فيضاني ** والقلب يشكو قسوة الحرمان
أماه إني قد ذكرتك خالياً ** والدمع يجري حارقاً أجفاني
والقلب يهرب من دياري نحوكم ** ليعيد ذكرى الأهل والخلان
أماه قلبي لا يلين لفرقة ** فيه الحنايا صلبة الجدران
لكن حضنك إن حواني دفئه ** صهر الفؤاد وصخرة العصيان
أماه إني مثل طير شارد ** أماه إنك دوحتي وجنان
فادع الإله بأن يوفق مقصدي ** ويزيل عني نزوة الشيطان
ويداي نحو الله أرفعهما لكي ** يحفظك يا أماه طول زمان
فضلاً عن تكريم الله للأم وذكر فضلها وبرها في كتابه العزيز آيات كثيرة، منها على سبيل الذكر في سورة لقمان: “ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير” صدق الله العظيم.
ولن أنسى هؤلاء الأمهات اللاتي بتن على أبواب قميئة موحشة، ينتظرن السماح لهن برؤية فلذات أكبادهن مكبلين حبيسي جدران أربعة، يبذلن ما بوسعهن لجعلهم باسمين رغم آلامهن سعداء رغم أحزانهن وأحزانهم.
فاللهم إني أسألك أن ترزق أمي ضعف ما تتمناه، وأن ترضى عنها رضا لا سخط بعده، اللهم اجعل ممن تقول لها النار اعبري فإن نورك أطفأ ناري، وتقول لها الجنة أقبلي فقد اشتقت إليك قبل أن أراك، اللهم اجعل أمي سيدةً من سيدات أهل الجنة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.