من وحي هذه المحنة، التي أعتبرها منحة، في خضم هذه الأحداث وفي تلاحق هذه الضربات، في أيام مباركات، وفي ليلة من ليالي هذا الزمان التي قيل فيها ما قيل، وفي منتصف الليل الأخير جاءتني حوريتي، التي تأتيني دائماً، سمّوها ما شئتم فسوف تعرفونها، ولكنها باختصار صديقة لي في مناجاتي ليلاً حينما يكون السكون هو سيد الموقف.
جاءتني على غير حالها، لا ابتسامة، ولا قواماً ممشوقاً، ولا وجهاً متهللاً، وكأن ليس بها حياة، كزهرة مقبلة على الذبول وقد انطفأت روحها، كانت أشبه بذبالة مصباح أوشك وقوده على النفاد.
كنت أحب زيارتها الليلية كثيراً؛ فهي سلوتي الوحيدة، وكنت دائم الانتظار لها، وقد طال الغياب بيني وبينها، والحالة التي كانت عليها دفعتني لأن أبادر مسرعاً لأطمئن على أحوالها.
ما بكِ يا صديقتي…؟ فصمتت ثم رفعت عينيها ببطء، وهما مغرورقتان بالدموع، فوضعت يدي على خدها وقلت لها مرة أخرى: ما بك صديقتي؟
فقالت ببطء هل ترى ما نحن فيه؟ هل تعي كل ما يدور حولنا؟ وازدادت دموع عينيها، ثم صمتت وسألت سؤال -ويا له من سؤال في مثل هذه الأوقات- وقد خشيت أن تصارحني وتنكأ الجراح، فقالت: هل هناك أمل؟!
فصمتُّ وتمعَّنت في سؤالها، ثم باغتُها قائلاً: لا! بل هناك يقين.
فاتسعت عيناها ولمعت فلم أبالِ، وقلت لها اسمعي حوريتي، نحن عندنا أصل: “إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ“، يختصر أبي سفيان القول “وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة”، ولكن ملمح الجمال هو تذييل الآية بـ”من يشاء” و”العاقبة للمتقين”.
والأولى بشارة أن إرث الأرض للمتقين، وأن تمليك الأرض لغيرهم هو أمر وارد لا محالة، لذلك قد يتقدم الباطل في جولة، ولكن الجولة الأخيرة والنصر يقيناً لأهل الحق… “والعاقبة للمتقين”. ويقول العلماء في شرح “للمتقين”: فالمتقون في هذا المقام -مقام استعمار الأرض والسيادة في الممالك- هم الذين يتقون أسباب خراب البلاد وضعف الأمم، وهي الظلم في الحكم، والجهل، وفساد الأخلاق في الدولة والأمة، وما يتبع ذلك من التفرق والتنازع والتخاذل، والصالحون في هذا المقام هم الذين يصلحون لاستعمار الأرض وسياسة الأمة بحسب استعدادها الاجتماعي.
فهذا يا صديقتي أصل ومُسَلمة عندنا، أن هناك وعداً من الله بذلك، أن العاقبة لمن يشاء من عباده المتقين، وهذا ليس وعداً بشرياً، فهل تريدين مني أن أشك في الوعد، أم نشك في (الواعد)؟
“إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ”
وهذا يا صديقتي أصل آخر ومسلمة ثانية، ففي قصة سيدنا موسى وكلامه للسحرة يوم المواجهة الكبرى “إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ“، أي أن الله لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكره الله، وهو عز وجل يبشرنا ويثبتنا ويرسخ هذا الأمل وهذه القاعدة بهذه الآية العظيمة “وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ“، ويكفي من هذه الآية تثبيتنا وطمأنتنا، أن اسم الجلالة مع الحق “وَيُحِقُّ اللَّهُ”.
وسيظلون يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين “وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ“، فهو أصل لا شك فيه ولا اضطراب معه.
تغيَّر حالُ حوريتي، وبدأت تُجفِّف دموعَها، وتنصت إليَّ في تمعُّن، وتدرك وتفهم ما كان خفياً عنها.
فقلت لها أمَّا هذا الأصل فلن يتضح إلا بانتشار الباطل وعلوه وتمكنه وذياع صيته وكثرة أنصاره، وجموع الغافلين السائرين في ركابه، وعندما يُخفَض صوت الحق، ويشعر صاحبه بغربة في الميدان، وأنه يسبح عكس التيار، هنا نقف مع قوله تعالى: “قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ”، فالله لا يساوي بين الرديء والجيد من الأعمال والأموال والأشخاص، فلا يستوي الضار والنافع، ولا الفاسد والصالح، ولا الظالم والمظلوم، ولا الحرام والحلال، ولا الغث والسمين، بكل قدره ومكانته.
حتى لو أعجبك كثر الخبيث فهل تريدين أن نكون من كثير خبيث، أم من قليل يحبه الله ورسوله؟ “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ“، “وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ“، فاللهم اجعلنا من القليل.. ولا تظني الكثير سينفعه كثرته أو تحميه، اسمعي لقول البديع سبحانه: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ“.
هذه أصول وقواعد يا صديقتي لا شكَّ معها، إنما يُزينها اليقين، ونحن على يقين وتوكل على الله “وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ“.
وهنا بدأ حال حوريتي يتغير، وبدت وكأن الوردة الذابلة جرى في جذورها ماء الحياة من جديد، فتنضَّر وجهها، وأخذت عيناها تدوران في التفكير، وبدت بين الابتسامة والتجهم، ثم قالت:…
لم أسمع سؤالها، ولكني سمعت أذان الفجر يشق سكون الكون، ويعلن عن يوم جديد، في حين غاصت حوريتي في أعماق الليل تتلهف لسؤالي، وأتشوق لسماع سؤالها لأجيبها إن كان لي الإجابة.
فهل ستأتي الليلة أم سيطول انتظاري لها؟!.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.