يقول المفكر والفيلسوف الإيراني علي شريعتي، المدافع عن التوجه العقلاني في الإسلام، مؤلف كتاب النباهة والاستحمار: “إن الإنسان حر فيما يعتقد، وليس ملزماً بما يعتقده الآخر إلا من باب الاحترام الأخلاقي والخلق الإنساني”.
إلا أن مَن يتابع المنطقة العربية والمغاربية منذ سنوات، يجدها بعيدة كل البعد عن أفكار شريعتي وابن رشد والجابري وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين، الذين أرادوا إلحاق مجتمعاتهم المتخلفة بركب الحداثة والتقدم، عبر تبنّي إسلام مستنير خالٍ من التعصب والكراهية، متسامح مع الآخر مهما كانت ديانته وعقيدته.
فالتطور الذي تشهده مجتمعاتنا العربية منذ مدة أفرز صراعات حادة حول مسألة الحريات المدنية التي من ضمنها حرية العقيدة والضمير، التي من المفترض أن تكون بمثابة الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات الطامحة للديمقراطية وحقوق الإنسان وحياة كريمة لشعوبها، عبر التأسيس لدولة الحق والقانون في أفق المواطنة الكاملة الخالية من التمييز على أساس الديانة واللغة والعِرق.
هذا الصراع المتمثل والواقع بين أطراف متعددة لها وجود وانغراس داخل مجتمعاتنا، غالباً ما يكون بين حركات إسلامية متشددة، تحمل فكراً وهابياً متطرفاً دخيلاً، وبين تنظيمات سياسية وجمعيات ذات صبغة حقوقية، ترى من الواجب الدفاع عن الحريات والحقوق في كونيتها وشموليتها مع العمل على احترامها وإقرارها لحماية قناعات الفرد، والوصول إلى المبتغى والهدف الأساسي الذي ينتهي بتحقيق الكرامة الإنسانية.
أهمية حرية العقيدة تتجلى في خلق شروط التعايش السلمي المشترك بين مختلف مكونات المجتمع، في ظل احترام متبادل وتفادي الصراعات والتوترات التي غالباً ما تكون ذات صبغة عنيفة، كالمواجهات الطائفية والمذهبية التي تقع يومياً في العراق بين “السنة والشيعة” عبر التفجيرات شبه اليومية التي تخلف وراءها جرحى وقتلى يقدرون بأكثر من ضحايا الحرب العالمية الأولى، أو ما تتعرض له الطائفة الأيزيدية من تهجير وقتل وتنكيل في سوريا، وما يتعرض له الإسلام والمسلمون الآن من تشويه وقمع واضطهاد على أساس انتمائهم العقائدي والديني في الولايات المتحدة الأميركية، مع صعود اليمين المتطرف أو “الفاشية الجديدة” إلى السلطة في البلاد.
فلولا حرية العقيدة لما استطاع المسلمون البقاء والوجود في الهند التي تتشكل غالبيتها من الطائفة الهندوسية، ولتم سحقهم على أساس التمييز المنظم والجماعي، كما حدث لليهود على يد المجرم “هتلر”. ولولا حرية العقيدة لما سمحت أوروبا وأميركا ببناء المساجد والمآذن فوق أراضيها لتصرخ بـ”الله أكبر”، ولا بهجرة ملايين العرب المسلمين للدراسة أو العمل هناك. كل التجارب أكدت دور حرية الضمير والمعتقد في تقدم المجتمعات وتطورها، وتجنبها للصراعات ذات الطابع العنيف والدموي، رغم تشويه مفهومها من قِبل البعض ومحاولة ربطها بمفاهيم خاطئة بمنطق نشر الكفر والزندقة بالرغم من أن أساس النص الديني يحمل في طياته بعض أسس هذه القيمة الإنسانية عبر نصوص وآيات في القرآن الحكيم كـ”فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”.
خلاصة القول: إن حرية الضمير والمعتقد تشكل أبرز الدعامات الأساسية لبناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً بالنسبة للدول التي تعيش أو ستعيش مستقبلاً انتقالاً ديمقراطياً حقيقياً كمجتمعاتنا العربية المغاربية.. الدين لله والوطن للجميع.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.