عندما أدركت أن أمي زرعت بطيخة، هذا ظني بنفسي حينما قررت أن أشاهد أفلاماً وثائقية عن المقاومة الفلسطينية، وقررت متابعة الدراما الفلسطينية وزيادة قراءاتي عن فلسطين وتكريم الله لها؛ أدركت أنني بعدما تجاوزت الخامسة العشرة بطيخة فلم أعد أتابع ما يخص القضية الفلسطينية كما كنت أفعل سابقاً، وتناسيت الأمر وأسقطته من أولوياتي، وأخذ قطار الطموح يجري بي ساعياً لتحقيق أعلى التقديرات العالية دراسياً، وأتنافس مع هذه وتلك لأسبقها، وأثبت كياني وقوتي، وأخذني بؤسي لأنسى قضية المفترض أنها قضيتي، لكن كل ما سبق ليس تبريراً لذلك التناسي أو لعدم إثبات كوني ناجحة، وإنما هو إثبات لفشل ثقافة الأمهات بمجتمع حربه فكرية عكس مجتمع يعيش حربين.
الأمر ينقسم لمشهدين:
المشهد الأول:
أُم تربي طفلاً على أن كل أرض لله هي وطنه، وكل فرد في المجتمع هو أخ لك، وكل امرأة هي أختك وأمك، وتعده ليصير رجلاً من الفدائية ضد الصهاينة، تشعل في نفسه حس الشهامة، وتحرضه على أن يكون دمه حراً، ويشهد الله أني ما وجدت شهيداً إلا وعدته أُمه أن يكون جندياً للحق ويعلي كلمته.
هذا ما أعجبني في مسلسل “الفدائي”، الذي يحكي قصة الكثير من أبطال المجموعات الفدائية بفلسطين، يعيشها آلاف الأبطال يومياً في كل أنحاء فلسطين، وأكثر ما جذب انتباهي هو قدرة المخرج على تصوير الأم الفلسطينية المحتسبة، فمهما أصابها الجزع لا تخضع ولا تخرّ جبهتها لغير الله، وفي أحد المشاهد يحضرون لأحد الأسرى أمه ويسمعونه صوتها تبكي وتتأوه ليضعفوه ويحبطوا من عزيمته، لكنها تخبره، أو لنكن أدق، تأمره ألا يحكي لهم شيئاً ولا يعترف على رفاقه، وأن يصبر ويكون أسداً كأخيه الأكبر الأسير.
ويحضرني أيضاً منشور كتبه شهيد المقاومة باسل الأعرج -رحمة الله عليه- يحكي فيه عن إحدى أمهات الفدائيين تُدعى أم ناصر، تقول لولدها: “إذا حكيت شي ترجعش عَ الدار طلعت زلمة ترجع زلمة”.
هذه أُم تربي طفلها أن يحيا لقضية لا لذات وملذات، أنا لا أطلب من الأخريات ألا يكون أولادهن بلا طموح، فهؤلاء الشهداء والأبطال أكثرهم أطباء ومهندسون ومحاسبون ومعلمون، لكنهم آثروا إعلاء كلمة الحق على كل هدف دنيوي أو متعة من متع الدنيا، ولا أطلب أيضاً أن تحرضه على حمل السيف والبندقية، فالحرب اليوم جديرة بأن تكون حرب فكر وعقل، والجهاد دائماً ليس معناه سيف، ولكن فقط تلك هي الأم في مجتمع الحربين.
المشهد الثاني:
حيث تنتظر أم البطيخة، أعني أم مجتمع الحرب الفكرية، أن يكون منهج طفلها المدرسي مشحوناً بزخم من المعلومات والتعريف بدينه وتاريخه، وتتولى هي جانباً طفيفاً من تثقيفه والعناية بعقله مثلاً.
ولكن ماذا حدث بوادينا يا رجل؟ ما حدث هو أن البعض من قطاع الأمهات منشغل بعمله والمنزل، ويود فرصة للراحة العقلية والبدنية، فتهدي الطفل ما يدعى بالـ “تابلت” يلهو ويلعب عليه، أو يشاهد التلفاز لينشغل عن الكلام معها، وتعتمد الاعتماد الكامل على المدرسة في التربية والتعليم، ولا أعمم ولكنها أغلبية.
ولا أقول حدثي طفلك عن الحرب ولا عن الأوضاع السياسية، ولكن أنشئي له فكراً واجعلي له هدفاً يجاور هدفه الدراسي، ويخدم به أمته ووطنه، يعلي من حميته والدفاع عن هويته، بدلاً من ثقافة “الشحط محط” و”فرتكة فرتكة”، أندهش حقاً عندما أرى طفلاً لم يتجاوز الخامسة يغني هذه الشفرات، كيف يحفظ هذا ولا يحفظ أنشودة الترحيب برسول الله عند دخول المدينة، أو أغنية يا “طيبة”، لمَ لا يتابع سبيس تون ويتحدث عن سابق ولاحق وحماسهم في السباق أو كونان وذكائه مجازاً، وكثيراً ما أتمنى أن تنزل صاعقة من السماء لتأخذني حينما أرى طفلة تقلد الراقصة الفلانية بحركتها، وأُمها فخورة وتصفق لها.
وأتساءل: أين الأطفال؟
في مجتمع الحرب الفكرية يبدو أن الخصم نجح في الاستحواذ على عقل نظيره، فدعم ما يشغله عن قضيته بكامل قوته، ونجح ليجعل بعض الأمهات ينجحن في نبت بطيخة جيدة لا تفقه ما الذي ينفعها، ولا أنكر أن هناك العديد من المواهب والعقليات في هذه السن تجذبني وترهبني، تجذبني في حماسها لتحقيق ما تود أن يكون كائناً ويكون، وثباتها في التمسك به، وترهبني بألا يكون ما تود تحقيقه ليس بمجتمعها، بل بمجتمع خصمها، وكل أم هي أمي، فيا سيدتي احذري أن يكون طفلك بطيخة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.