الخطاب التوعوي.. بين الغياب والاجتهاد

لا شك أن التخلف المتجدد الذي تعاني منه دول العالم الثالث نابع عن غياب تام للتوعية، أو على أحسن الأحوال توعية مشوهة تخدم مصالح فئات معينة من صناع القرار، التي بدورها تعتقد أغلب الحكومات أنها من أخطر الأسباب التي تؤدي لزوالها، فعندما ترى أمة مشغولة بالسياسة والطائفية على حساب الثقافة والتنمية فتأكد أنك في إحدى دول العالم الثالث، فهناك لا غرابة أن تنتشر الاهتمامات الفارغة التي ولدتها أساليب حياة هامشية لا تضع اعتباراً إلا لكل ما هو سطحي.

ويعتبر الخطاب التوعوي إحدى أهم ركائز النهضة، وواحداً من أكثرها خطورة متى ما كان موجهاً في الطريق الخاطئ حتى ولو بدون قصد أو عن طريق اجتهادات شخصية لا تخضع لمقاييس معينة، ويعتبر أيضاً الخطاب التوعوي معياراً تبنى عليه الأفكار الخارجية التي تعكس ثقافة الأمة، وكيف تصنف بذلك بحسب مقاصده وأهدافه.

وللخطاب التوعوي إيجابيات وثمار بعيدة المدى تؤثر على أهم مجالات الحياة، مثل الصحة والتعليم وغيرها، فعلى سبيل المثال أثبتت كثير من الدراسات أن دول العالم الثالث تعاني من انتشار أمراض مزمنة ناتجة عن ممارسات سلبية، والعكس صحيح في الدول المتقدمة التي من خلال التوعية تمكنت من محاصرة أضرارها ورفع المستوى المعرفي بخطورتها، مثل التدخين والمشروبات الغازية وكذلك قلة ممارسة الرياضة، ففي إحدى الدول العربية التي استنسخت تلك التجارب كان سكانها يعانون من انتشار مرض السكري المزمن، تمكنت حكومتها من خلال برامج تثقيفية فقط من تخفيض نسبة انتشار المرض بواقع 25%، أيضاً تعتبر التوعية بفوائد ناحية معينة لها أهمية كبيرة تماماً كالتوعية بالأضرار التي يجب تجنبها.

ومن الأسباب الأساسية لضعف وغياب التوعية معضلة الفساد التي تقدم المصلحة الشخصية على العامة؛ حيث إن التوعية في مجال معين ربما ستضعف مداخيل مشروع معين أو أرباح شركة تسيطر عليها نخبة متمددة داخل أروقة السلطة، وليس ذلك وحده، بل إن تغييب التوعية لو وضع في مكانه الصحيح وحكم بالضمير فهو بلا شك من أخطر أشكال الفساد؛ لأنه في كثير من الأحيان لو تم إهمال تثقيف المجتمع في أحد المجالات ربما سيعود بالضرر على الدولة نفسها قبل مواطنيها، ومن ذلك سينتج ضغط على الاقتصاد، وتعثر في دوران عجلة التنمية كذلك على مجمل قطاعات الدولة.

وتعتبر الجهود المعرفية التي يتم بثها على شكل خطاب توعوي متى ما توحدت فهي من أقوى المؤثرات على ثقافة المجتمع، لو تبنت ذلك الحكومات بشكل صحيح وتداولتها بأجهزتها الإعلامية، وزرعتها في كياناتها التي تلامس بشكل مباشر شعوبها كالمؤسسة التعليمية مثلاً، التي لا بد أن تعبر من خلالها الأداة التثقيفية التي بدورها ستؤثر على بقية شرائح المجتمع، وبذلك تتوسع دائرة التوعية، ويتولى بث الخطاب التوعوي فئات بسيطة تعمل على تمريره إلى الدائرة المحيطة بها؛ لتتمكن من التسلح ضد أي تطرف فكري أو اجتماعي، والعكس صحيح تماماً.

وقد أكدت الكثير من الأبحاث أن تكثيف الخطاب التوعوي ذهب بإيجابياته أبعد من المتوقع له، فمثلاً ظهر العمل التطوعي والدعوات للمشاركة فيه، وتخصيص أيام لممارسة بعض الأعمال التطوعية، وهذا يدل على حس ثقافي مرتفع يحاكي بقوته مفاهيم التنمية والنهضة المستدامة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top