كتبتُ منذ فترة قصة قصيرة أتوقع فيها فناء الشهامة والرغبة في مساعدة الآخرين بمصر في عام 2030، بالطبع لم أحسبها بالمستقبل بدقة حتى أحسب العام الصحيح كالمنجمين، فقط أردت أن أقصد المستقبل غير البعيد.
لم أعرض فيها الفكرة على أننا شعب وغد، وأن نضوب الشهامة هو التطور الطبيعي لذلك على منوال نغمة جلد الذات المتفشية، بل من جانب أظن أنه أخطر ما يوجد الآن ومُهدد للأخلاق ألا وهو النصب بالتحايل على المشاعر بالمساعدة.
فيها كل معادلات مثل تلك القصص، شخص من خارج البيئة التي نعالجها يتفاجأ بأن لا أحد يساعده في هذا البلد مثلما تعوّد بل يلاقي من الشك والريبة الكثير عندما تتعطل سيارته، ويطلب من السيارات المارة المساعدة، ثم يأتي صديق من المطحونين في البلد يشرح له أن البلد تحول لذلك بسبب النصابين الذين سرقوهم بمشاعرهم، هذا هو سير القصة مع القليل من السخرية، لكن هنا أريد أن أناقش هذه القضية بجدية وتفصيل أكثر.
الأمر ليس مقتصراً فقط على من يطلب المساعدة، بل أيضاً عندما تعرض أنت المساعدة.
تحكي إحدى الفتيات على حسابها على الفيسبوك أنها وهي تسير في الشارع اقتربت دراجة هوائية منها يريد من عليها أن يأخذ هاتفها، فشدوا الهاتف من السماعة المعلقة به، لكن السماعة انفصلت عن الهاتف، ولم يظفروا به، فيظهر ميكروباص ويقول لها أن تركب معه كي يلحقوا به، فترى أن الميكروباص فارغ وظهر بطريقة مريبة فتعدو مسرعة عنه خشية أن يكون حليفاً للحرامي الفاشل، ويدبر لها مكروهاً أشد فظاظة.
تذكرني هذه الحداثة بالفيلم الإيطالي “سارق الدراجة” عندما يُسرق من البطل المكافح دراجته التي يعمل بها فيجري البطل وراءه على سيارة أجرة، فيظهر أحد من اللامكان يركب معه السيارة، ويقول إنه رآه يعدو في هذا النفق، وبعدما يدخلون النفق ولا يجدونه فيقول: يبدو أني أخطأت، هنا ندرك نحن أن ذلك كان مُساعد السارق.
لذلك دائماً أتقبل نظرات الشك والريبة والإحساس بالخطر عندما أعرض على أحد المساعدة.
صدقني يا من تطلب المساعدة إن أحب شيء عليَّ أن أساعدك لكني لا أقدر، ربما أنت وغد يتحايل على مشاعري ورغبتي في المساعدة كي يسرقني أو يقتلني، صدقني يا من تطلب المساعدة، هناك الكثير من قصص السرقة والقتل والاتجار بالأعضاء تحول بيني وبينك؛ لأنه كان هناك أوغاد يقفون مثلك يطلبونها ثم ينقضون على الضحية ويفعلون به الأفاعيل.
هناك من تطلب حسنة باسم الله من سيدة بينما زميلتها تحاول خطف ابنها، هناك من يتظاهرون بالتيه أو تعطل سيارتهم كي يسرقوهم على قارعة الطريق، هناك أوغاد يظهرون كل يوم على شاشة التلفاز يطلبون التبرع للجوعى والمرضى، بينما هم يسرقون ولا يساعدون أحداً.
” هذا الشعب كانت به الشهامة تنضح، لكن جفت لأن هناك أوغاداً أولاد كلب استغلوا شهامتهم للاحتيال عليهم” من القصة القصيرة .
دعنا نتحدث ونحن غير موجودين في المستقبل القريب، ما زال في هذا الشعب بعض الشهامة بالفعل، هناك الكثير من الفسدة صحيح، لكن يجعلنا نجفل حق هذا الشعب أبداً أنه شهم يقف في مواقف كثيرة دون انتظار أي شيء، هناك من يقفون في الحوادث وينظمون الطريق المهترئ والسريع والخطر، هناك من يساعد الفقراء ويعطف على الفقراء، ولا ينام وأحد قريب منه جائع أو مُتعرٍّ، هناك من يقفون معك في أشد المواقف لا يعرفونك ولا ينتظرون منك شيئاً، هناك الكثير.
في الحقيقة ليس عندي حل، لكن من واجب الكاتب أن يعرض الخطر الذي يراه، إنني أشخص الحالة التي لا أعرف لها علاجاً لربما هناك من يعالج، لكن سأخاطب على المستوى الفردي يجب أن نبتعد عن طلب الأشياء والتماس الأعذار بالكذب وتأجيج المشاعر بدءاً من العائلة والدراسة والعمل، لو لم يكن هناك ألف وغد يعتذر لأستاذه عن تغيبه بأعذار وهمية مثل المرض لتقبل الأستاذ اعتذار من كان مريضاً حقاً.
يجب أن يكون هناك وقفة مع تلك القضية، حتى لا تنتهي الشهامة في مصر عام 2030.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.