عندما يؤذينا الشغف.. معاناة جيل

ربما يكون الشباب في الدول الأخرى هم الاستثمار الحقيقي لشعوبها، شعوب تقدّر الإنسان والإنسانية وتعرف ماذا يمكن لشاب واحد أن يُحدث من ثورة صناعية، وثقافية، فكرية وحتى فنية، لكن الأمر ليس كذلك في عالمنا العربي، ربما كان زمناً ما، فالشباب العربي هم من أتعس شباب اليوم، إليكم بعضاً مما نمر به.

المدرسة، أجل.. نتفهم أن الجيل السابق يقدر العلم والتعليم، نتفهم أن الذهاب للمدرسة كان كل ما يحلم به آباؤنا يوماً ما، وكم كان صعباً وشاقاً عليهم إكمال تعليمهم ثم تهيئة مسيرة العلم من أجل الجيل القادم، نتفهم ذلك جيداً، ونعرف كم كان لذيذاً لكم أن تقطعوا الـ”خمستعش كيلومتر للجبل” من أجل التعلم، لكن ما لا تعلمونه أن التعليم وصل لأدنى مستوياته في وقتنا نحن، ولن تتفهموا ذلك مع تلك الكتب والمناهج المخادعة المليئة بالصور الجميلة والمعلومات التي تسيل من أجلها اللعاب، افهموا أو لا تفهموا.. المدارس اليوم وصلت لأدنى مستوياتها من التعليم، حشو من الكلمات والجمل والمعلومات الجافة التي لا نفع منها لا آجلاً ولا عاجلاً.

فلتغشَنا الرحمة في تلك الأوقات التي حُبسنا فيها في فصول وتلقينا رغماً عنا ما لا يفهمه المعلم نفسه ولا يطيق تعليمه، فلتغشَنا الرحمة عندما كنا أطفالاً يشغفنا تعلم الطبيعة بالاستكشاف والمغامرة الفعلية الحرة عوضاً عن دراستها في أوراق بليدة بحجة طلب العلم، ولتغشَ رحمة أكبر الجيل القادم.

ما بعد المدرسة، وأخيراً سنخرج لنرى العالم، لقد نجونا، لكن ماذا الآن؟ نسمع كثيراً عبارة “الجامعة ليست كل شيء بالطبع”، لكن عندما نكون في دولة عربية، ليس من الظريف أن نغامر ونعيش فيلماً هندياً، في الدول الأخرى من السهل على شبابها اختيار طرق أخرى غير الجامعة؛ لأنه متوفر، متوفر لديهم مئات الطرق والسبل (رياضة، فنون.. إلخ)، بينما في الوطن العربي فما لم نرد وظيفة فلا بأس علينا ألا نكمل الدراسة الجامعية، والأمر ليس إن كنا نريد أو لا نريد؛ لأنه حتى لو أردنا ذلك فلندعُ الرب لكي نسلَم من ظلم نتائج الثانوية أولاً، ثم لندعُ أن نختار التخصص الذي نريده، أو نجد أصلاً التخصص الذي نريده، ماذا عن صديقتي التي تريد دراسة الفلك؟ أن يكون التعليم جيداً، وإذا ما تخرجنا.. أن نجد وظيفة ما.

أما أن نرى في الأفلام شباباً هواة لا يعرفون ماذا يريدون، يتسكعون ويعزفون الموسيقى بالطرقات حتى يحالفهم الحظ ويصبحوا نجوماً أثرياء غير نادمين على الإطلاق لعدم إتمامهم لمسارهم الأكاديمي، هو ما لن يحدث على أرض عربية على الإطلاق.

المجتمع، مشكلة المجتمع أنه كعجوز جبان، يخاف من كل ما هو جديد ويختلط عليه الأمر بين المبادئ السامية التي لا ينبغي لها أن تتغير وبين ما يجب ألا يتغير فحسب، بل يواكب عجلة التطور.

المجتمع يرفض ويفرض، والجيل الناشئ عنيد ويعجبه تجربة كل ما هو ممنوع ومرفوض، لنكن صريحين فالآباء هم من يحركون المجتمع، ولكل الآباء في كل جيل لعنة حميدة، وهي أن يظن بأنه “الجيل الذهبي الأخير”، حتماً ستصيبنا هذه اللعنة عندما نصبح آباء، هم يرون أنهم يفهمون كل شيء ويعرفون كل شيء، وهم أعلى وأكثر حكمة، قد يكون هذا صحيحاً نسبياً لكن الحقيقة هي أن لكل جيل ظروفه ووضعه الخاص، والأهم من كل هذا أن الأجيال تتعلم من بعضها، لكن لا وجود لجيل يفهم جيلاً آخر.

إن كان لفتاة شغف دراسة وممارسة مهنة الإعلام، ولدى شاب شغف بصناعة وإنتاج الأفلام، فليكن الرب بعونهما في مجتمع لا يرى من التلفاز إلا أداة فساد وإفساد، ولا يرى من الشباب الناشئ إلا استهتاراً وقلة وعي.

الحرب، في الست السنوات الأخيرة البائسة كم حرباً شهدتها البلدان العربية؟ كم استنزفت من أرواح وطاقات الشباب وما زالت تستنزف حتى الآن؟ حتى أولئك الناجين من الحروب، فهم يتخبطون إما بحثاً عن بقايا عائلاتهم وأوطانهم المبعثرين، أو عن مخيم وملجأ يؤوي ما تبقى منه، فأي شباب سيكون شباباً سعيداً وأقصى شغفه وطموحه هو سقف لا ينقض على رأسه، معدة لا تتضور جوعاً وخيمة تقي من البرد، ومع هذا كل ذلك يحدث رغم أن الجيل لم يُذنب، استيقظنا على أوضاع ظالمة لم نرضَها.

لكن على الأقل لن يستطيع الآباء الآن أن يعيدوا على مسامعنا، مثلما اعتدنا: “جيل صايع ومدلع، بشبابنا كنا نروح خمستعش ألف كيلو للجبل لنسقي الغنم.. إلخ”، أصبح لنا معاناة قاسية لا يُحسد عليها.

أشعر بالإنهاك ولم أذكر بعد إلا 4 جوانب، ماذا عن الشباب الذي يريد الاستقرار والزواج والعوائل لا ترحم بالطلبات والمهور الخيالية؟ ماذا عن الشباب الذي أصابه مرض أو إعاقة ولم تمنحه الدولة مكانه وحقه ولم يقبله المجتمع؟ ماذا عن الشباب الذي يريد أن يخرج من وضعه وبلده فتحوله الحدود السياسة وأوراق السفر؟ عن الذين أنهكتهم الطوائف والمذاهب؟ وعن الذين حالت الأموال بينهم وبين مجرد حياة كريمة؟

أوَتعلمون هو خطؤنا لماذا نريد أحلاماً كثيرة أو حتى تملأنا الآمال والطموح؟ يا لنا من شباب متحمسين ومندفعين لمعرفة واستكشاف العالم بحب، من قال لنا أن نشغف.. تباً لنا “جيل صايع ضايع”.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top