صانعُ الأمل

: “أنا متأكدة أن كل شيء يحدث لسبب ما، حتى ولو كانت الحكمة لمعرفته تنقصنا“.

أوافقها بشدة في تلك المقولة، أحياناً كثيرة أقف متأملة ما يحدث لي ولغيري في محاولة لفهم الأسباب، وقلما أجد نفسي قادرة على تحليل المواقف وفهم أسباب حدوثها، وكثيراً يعجز عقلي عن فهمها ويرفض قلبي حدوثها.

من هذه المواقف التي غمرت قلبي بمشاعر أفتقدتها كثيراً وحفزت عقلي على التفكّر ، مقابلتي رجلاً عظيماً، لا يعرف عنه الكثيرون ولكني بوركت بمقابلته شخصياً، رجل أحيا في قلبي الشعور بالأمل رغم ندرته.

في صباح أحد الأيام، تلقيت مكالمة لعمل مقابلة عمل في جامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة. وكعادتي، عملت بحثاً مطولاً عن الجامعة، التي لم أجد الكثير من المعلومات عنها، ولكن فضولي دفعني للبحث عن صاحب الجامعة، الذي ما إن كتبت اسمه “دكتور إبراهيم أبو العيش” حتى ظهرت لي مقابلات لا حصر لها وشعار لشركة “سيكم”. هذا الشعار الذي ارتبط في ذهني ببعض المشروبات العشبية التي أتناولها بين حين وآخر عندما أحاول أن أعتني بصحتي بمنتجات حيوية نقية.

فضولي دفعني للبحث عن أصل “سيكم”، تلك الكلمة الإغريقية التي تعني “الحيوية” بلغتنا العربية، “سيكم” هو اسم المزرعة التي أنشأها دكتور إبراهيم أبو العيش في صحراء بلبيس بمحافظة الشرقية في مصر، والتي تبنت مبدأ الزراعة الحيوية والتي لا تستخدم فيها الأسمدة الكيماوية أو المبيدات والتي انبثقت منها شركات (إيزيس للمشروبات العشبية، وأتوس للمنتجات الطبية العشبية، وناتشر تيكست للمنتجات القطنية).

لقد أنهى هذا الرجل دراسته بألمانيا وعاد مسرعاً إلى بلده التي ظل حبها ينمو في قلبه، ما دفعه لأن يستثمر في بلده ودفع كل ما يملك لتطبيق فكرة التنمية المستدامة التي وهبها حياته. نعم، ترك ألمانيا وجاء إلى قلب الصحراء وقلبه ينبض حباً للخير، وجعل من تلك البقعة جنة خضراء تدرّ على من يعمل بها الخير والتي أصبحت نموذجاً لدولة مصغرة، دولة هدفها التنمية، ليس فقط تنمية العقل والأرض؛ ولكن أيضا تنمية الروح.

ذهبت وأنا متشوقة لمقابلته وغير مهتمة بالعمل نفسه؛ نظراً لسعيي للعمل خارج حدود الوطن المتهالك، ولكن فضولي دفعني للذهاب للتعرف على هذا المحارب العظيم والأب الروحي للتنمية المستدامة في مصر. بكل تواضع قابلني وتحدث معي عن خبراتي، ثم لسبب ما قبِل تعييني و لعل هناك سبب .

في أول يوم عمل لي والذي صادف يوم الأحد، وجدت كل العاملين، مديرين وأساتذة وعمالاً، يقفون في دائرة ممسكين أيديهم كما عودهم “الأب الروحي ” ليبدأوا الأسبوع بالترابط ولإنماء فكرة المساواة بينهم، ثم توجهنا إلى اجتماع أسبوعي يبدأ بغناء نشيد “قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك”.. لم أتذكر كلمات الأغنية، ولكني استشعرت شيئاً ما بداخلي، كما لو كان هناك محفز عجيب دغدغ قلبي قليلاً، ولكني أخمدته بأفكاري التي تراودني طيلة الوقت عن حال البلد المتهالك.

ثم تقدم أحد الأشخاص وأخبرنا بأنه سيعزف لنا مقطوعة من مقطوعات موزارت، تعجبت قليلاً؛ هل هذا طبيعي؟! سرحت في تخيُّل الشركات الأخرى التي يبدأ فيها الموظف يومه مقفهراً كارهاً حياته والروتين القاتل لروحه، أفقت على نغمات موزارت التي بددت مشاعري السلبية بإحساس مختلف خليط من المتعة والتعجب.

ثم بدأ” الأب الروحي” الدكتور إبراهيم أبو العيش بسؤالنا -نحن الموظفين- عما يجب مناقشته اليوم! تعجبت من سؤاله؛ هل يسأل المدير موظفيه عن اقتراحاتهم؟! الطبيعي أن يبدأ المدير بتوجيه الشكر ثم العتاب مباشرة هذا ما تعودناه.. ولكن هذا الرجل مختلف، وهذا المكان عجيب وغريب، ولكني مازلت… مستمتعة.

وقف أحد المسؤولين عن حسابات شركة سيكم وعرض مقارنة بين بيل غيتس ودكتور إبراهيم، حيث إن كليهما بدأ فكرته ومشروعه من 40 سنة، وطرح زميلنا بالأرقام مكاسب بيل غيتس الذي أصبح بليارديراً ومكاسب سيكم الضئيلة و المحدودة جدا ، وقتها شعرت بالأسى على هذا الرجل الذي أفنى حياته من أجل تلك المنظومة التنموية.

ولكني فوجئت برد الدكتور إبراهيم، هذا الرجل الجميل، الذي سأل زميلنا المحاسب بكل هدوء عن كيفية حساب المقابل المادى لعلاج سيدة مريضة في مركز العلاج الطبي التابع لـ”سيكم”، وكيف يستطيع أن يحسب بالأرقام مكاسب تربية وإعداد أجيال واعية تقوم بخدمة المجتمع والبيئة من خلال مدارس سيكم وجامعة هليوبوليس؟! وأيضاً كيف لنا أن نحسب بالأرقام الربح الناتج من محاربة “سيكم” رش المبيدات الزراعية والسموم فى سماء مصر وقد نجح في وقفها إلى حد كبير؟! كيف لنا أن نحدد الربح المادي مقابل الحفاظ على صحة الإنسان والبيئة بأرقام واضحة ومحددة في حسابات بنكية؟!

ثم أنهى حديثه بكلمة لمست قلبي، حين قال: “هناك حسابات لا يعلمها سوى رب العالمين، نحن نعمل من أجل تلك الحسابات وليس من أجل حساباتنا البنكية الفارغة من قيمتها الفعلية”..

على صفحة الفيسبوك انتشرت مسابقة صناع الأمل، شعرت بأن من واجبي ترشيح هذا الرجل، فهو نعم المثل والقدوة لصنّاع الأمل في الوطن العربي، وبالفعل رشحته، ليس لأي شيء سوى أنني فعلاً وجدت فيه ما لم أجده في الكثيرين، هو ليس صاحب فكرة فقط، ولكنه قائد ومحارب قوي, رجل حاز على جازة نوبل البديلة و مئات الجواز الدولية , و لم يسعى قط للشهرة و غنما سعى لترسيخ فكرته و حارب كل العقبات و مازال يفعل من أجل إرساء فكرة تنمية البيئة و مصادرها و تنمية الإنسان عقلاً و قلباً

أعتقد أن مقابلتي هذا الرجل هي رسالة من الله -تعالى- لي بعد أن فقدت الأمل في وجود الخير والخيِّرين وبعد أن تملّك اليأس مني، بأن هناك أملاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top