العنوان هذا لم يكن العنوان، بل هو جزء من هذه المقالة التي كتبتها تجاوباً مع فكرة تكاد تكون جزءاً من حياتنا اليومية: كتبتها لكل إنسان يعيش معنا بهدوء ويسكنه ضجيج لا يعلم به أحد.
الاعتراف بالاكتئاب مؤلم، وكذلك الوقوف عن قرب من العلاج مؤلم ومرهق لصاحب الاكتئاب وللمحيطين به، فكل شيء لم يعد مألوفاً كما كان، بالرغم من أن العالم لن يتغير إلا من بعض الأحداث الشخصية، الفقد يتضخم، والغضب يتضخم، والحزن يزداد عمقاً، والفرح يتضاءل مهما كان قوياً في حضوره.
حب الذات والاهتمام بها يكاد وقد يكون هذا الشعور بالغربة هو ما يلهم الخطوة الشجاعة التي تضع الإنسان أمام نفسه فجأة، وكأنه أمام مرآة تتحول إلى شاشة تعرض فصولاً قد انتهت من الحياة اليومية، وفي وقت آخر تتجمد الشاشة وكأنها توقفت، والمشهد الذي تعرضه لا يمكن تجاوزه أبداً إلا بمساعدة تختلف باختلاف صاحب الاكتئاب، وهذه هي الخطوة الثانية التي تتطلب شجاعة تنتزع الإنسان من كل ما يعرفه ويألفه.
هذا التركيب “صاحب الاكتئاب” كان نتيجة لحوار كنت طرفاً فيه، وانتهى الحوار بأنه، أي الاكتئاب، كيان مستقل يمد يده إلى الكثيرين، ويستطيع التمسك بالبعض ويجيد الاقتراب بحذر من البعض الآخر، وهناك من لا يستطيعون رؤيته بوضوح، لكنه يشير لهم من بعيد ولصعوبة الرؤية يتجاهلونه.
الاعتراف بالاكتئاب مخيف ومؤلم ومواجهته كذلك، أما الوقوف عن قرب من مصاب بالاكتئاب فهو مؤلم جداً، لا تكاد تعرف كيف تحتويه، وتتبدل الحقيقة أمامه إلى رؤية أحادية لا يعرف لها بديلاً، قرأت مرة أن الاكتئاب فكرة تتضخم دون وعي صاحبها، وتتحول من فكرة إلى حقيقة يومية مؤلمة، والتعايش معها مرهق ويدفع البعض إلى نوبات غضب وإحباط وربما خوف من استمرار هذه الفكرة.
وبدأت كتابة رواية منذ سنتين، أردت فيها الاقتراب أكثر من هذه الفكرة، وربما تكون قراءتي سطحية جداً، وربما تكون استجابة للرأي الذي يقول إن الاكتئاب عارض يمر بكل البشر، ينمو لدى البعض استجابة لبعض العوامل، ويكاد يكون مختفياً عند البعض الآخر وينتظر إشارة الانطلاق، والبعض يمر بهم وكأنه أيام حزن لا تستمر، لكنها تؤلم الذاكرة كلما عادت لها.
قد تتحول الحياة اليومية إلى مجرد أفعال أوتوماتيكية، مثل الأكل، المشي، الضحك، والبكاء، قد يهجم دون سبب ويتحول باللحظة العادية التي قد لا يحدث فيها أي سبب للبكاء إلى لحظة محرجة جداً، هذه الأفعال الأوتوماتيكية قد تجعل من الحياة اليومية حياة لا تحركها الرغبة أو العاطفة أو الشغف، بل هي أيام تبدأ مع المنبهات، سواء كانت منبه الهاتف أو الساعة، التي ترن لتعلن أن يوم العمل قد بدأ، إلى النوم الذي يوقظ أسوأ الأفكار باسم الأرق، أو أنه نوم عميق مزعج يمنع الإنسان من النطق بـ”صباح الخير”.
قد تفقد الابتسامة مصداقيتها، وحتى العين، تفقد بعضاً من عمقها، وكنت قد قرأت مقالة لهيلين كيلر تقول فيها إن العين، حقيقة، هي مرآة الروح، وهنا السؤال: كيف تكون العين مرآة الروح ولا أقرأ فيها هذا الإيمان بالذات والآخر، أن أفقد شغف من أحب، أياً كان من أحب هنا، بالحياة اليومية هو ألم النظر إلى إنسان أحاطت به فكرة، وكأنها إعصار هدأ دون أن ينتهي، تشتد قوته أحياناً ويضعف، لكنه يمنعه من الخروج والعودة إلى الحياة الطبيعية، مما يجعل الابتسامة والضحك وحتى الإقبال على أي فصل جديد لحظة محيرة، قد تكون حقيقة أو مجرد فعل أوتوماتيكي يجعل الحياة اليومية أسهل.
كتبت هذه الكلمات على لسان شخصيات الرواية:
“الحياة مع الاكتئاب تشبه الجلوس وحيداً في القطار والانتقال من المحطة الأولى إلى الأخيرة، ومن ثم الانتقال من الأخيرة إلى الأولى مرة أخرى.
كلما اخترت إنساناً، وهذا الحوار لم يتجاوز مرة أو اثنتين؛ لأشاركه بعضاً من الفوضى التي تبعثرني وتتركني أمامها مبعثراً فأجد نفسي غارقاً في هذه الفوضى، تحول الحوار إلى:
اخرج من اكتئابك، وكأنه بيت مظلم يمكن للإنسان الخروج منه متى ما أراد!
فأعود لصمتي ولبيتي المظلم ولا أجد الشمعة التي تمنعني من أن ألعن الظلام.
أتكلم عن كل شيء، ولا أحب الصمت، أشعر وكأنني راديو متنقل!
وحين يهجم الصمت ليقبض على قلبي، أعود لصخب الحياة ولكل نشاط يترك يومي مزدحماً وأنتهي مرهقاً مرمياً على سريري دون أن أعرف الوقت أو حتى أهتم لمعرفة الوقت!
قرأت مرة أنه غياب للبهجة، أو للقدرة على الشعور بها، هذا هو بالضبط!”
قرأت مذكرات رولان بارت، مذكرات حزنه على موت أمه، مذكرات تقع في كتاب قصير جداً وعميق في إنسانيته، هو يعرف حقيقة الحياة أمامه، لكنه يدرك أنه لا يستطيع الاقتراب من هذه الحقيقة بسهولة.
العلاج النفسي مهم، والقدرة على الوقوف مرة أخرى والعودة للحياة كما كانت، الحياة التي يعرفها صاحبها، التي تسمح له بقول “أنا سعيد!” وسمحت له، حياته، سمحت له اليوم بقول: “أنا سعيد لكنني مكتئب” هي سعادة حقيقية، ربما، وما الذي ينفي حقيقتها وما الذي يكذبها، لا شيء أبداً.. اعتراف مثل هذا ينتظر صداقة حقيقية ومعرفة بالذات والآخر بعيداً عن أي إزعاج، وإدراك لأهمية العلاقات الإنسانية والعبور والانتقال من فصل لآخر مع معرفة حقيقة مؤلمة، هي أن الإنسان معرض لانهيار عصبي في حياته أكثر من مرة، وهو معرض أيضاً للوقوف مطولاً أمام هزيمة وأخرى، ولا يبحث هنا عن شعور بالفوز؛ بل يبحث عن سبب للأمل مرة أخرى، قد لا يكون هذا اكتئاباً أو حتى حزناً مستمراً، لكن هذه الهزيمة هي إعلان الحاجة للعزلة، وفي نفس الوقت الحاجة للآخر والاعتراف بالاثنين يكاد يكون مستحيلاً؛ لأن الوعي لا يكشف أمام العين إلا الإحساس بالألم.
الشعور بالألم يختلف من إنسان لآخر، وشعور الإنسان المكتئب يبني رؤيته للحياة ولعلاقاته وفي بعض الأوقات قد يرسم نافذة يرى العالم من خلالها، ولا يراه بدون هذه النافذة فتستحيل الرؤية، ويكون من الصعب أن يرى من خلال نافذة سواها مع إدراك أن النافذة قد تسمح بالخروج والقفز إلى العالم للعودة له، لكن العين لا ترى إلا النافذة عن مسافة وترسم شكل العالم كما يراه لا كما هو حقيقة.
أخيراً، الكرة الأرضية هي مساحة جغرافية هائلة، وحياة كل كائن حي على أرضها وفي مائها وسمائها هي مساحة زمنية هائلة؛ لذا فمن الصعب أن نلاحظ كل تبدل فيمن حولنا وفيما حولنا، لكن وكما قال درويش، محمود درويش: “فكر بغيرك”، قد أبدلها وأقول: “انتبه لغيرك، وانتبه لنفسك”، الطبيب النفسي لم يكن أبداً الحل الوحيد، والغرق في أي هواية أو شغف لم يكن أبداً الحل الوحيد، وحتى العلاقات الإنسانية أو الانقطاع عن الآخرين، الحل لا يكون أبداً مباشراً ولا أملك حلاً أو دواء له، لكن كل هذا وغيره قد يسمح بحياة أسهل وربما أجمل.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.