منذ سبعة أشهر

أفاق من نومه اليقظ بعد أن فشل في آخر محاولة لإسكات عقله الثائر، فقرر أن يصرف النظر عن أمر ساعات النوم التي فارقته منذ زمن لم يعد يحسبه.

في الواقع هو لم يكن يملك جواباً لسؤال: “ماذا يدور في بالك؟” فالإجابة الوحيدة هي الصمت التام والشرود، ولم يكن يتظاهر بتلك اللامبالاة؛ بل إنها لم تكن لا مبالاة من الأساس، لكنه كان عاجزاً حقاً عن التعبير عما يدور في ذهنه، ثمة أفكار تدور في خاطره لا أول لها ولا آخر، فصارت متداخلة ومتشابكة يصعب تمييز إحداها عن الأخرى، عدا فكرة واحدة كانت تسيطر على شبكة أفكاره تلك، فكرة واحدة ما زال يستطيع تمييزها من بين ملايين الأفكار التي تسري في ذهنه كالنمل.. الانتحار.

وفي هذا الصباح بالذات لم يعد قادراً على طرد هذا الهاجس من رأسه، فهو حتى لا يدري ما الذي دفعه للانتظار حتى تلك اللحظة، لم تكن لديه أية مبررات تمثل قيمة بالنسبة إليه، أخرج المسدس الموضوع في خزينته ووضعه على المكتب في مستوى نظره، بمنتهى الهدوء جلس على حافة فراشة، وأحنى ظهره قليلاً، وأسند رأسه على يديه، متأملاً ذلك السبيل الذي سينهي له حياته كيفما أراد.

لم يكن جباناً أو ضعيفاً في تلك اللحظة، ولم يكن كذلك أبداً، فكيف لقائد كتيبة في الجيش أن يكون جباناً؟! كيف لبطل محارب أن يكون متخاذلاً؟! فكلمة التخاذل تلك لم يكن لها وجود في قاموسه من الأساس.

ما زال يذكر تلك الأيام بل السنوات التي قضاها في الحرب، سنوات استنزفت عمره وصحته وشبابه، كان يعتقد أنه يصنع مجداً، وكان مؤمناً بذلك حد الجنون، فلم تكن ترى حماسة كتلك التي تراها في عينيه وفي صوته وأوامره على الرغم من أن الهزيمة كانت بازغة أمام الجميع بزوغ الشمس، ولم يؤثر ذلك يوماً على إيمانه بالنصر، فالتخلي عن الإيمان لم يكن يعني سوى اليأس، وما اليأس سوى أقرب سبيل إلى الهزيمة لا محالة، وهو بطل، والأبطال لا يُهزمون.

كانت كتيبته بل وجيشه كله يتقلص كل ساعة، الجثث والدماء والطلقات النارية والمدافع لا تهدأ ولا تكل، ورغم أن أغلب أصوات وطلقات المدافع كانت من الجيش المُقاتل فإنها كانت تزيده حماسة وإصراراً كأنما تحاربه هو شخصياً، تحاربه وحده.

كلما أشار عليه أحدهم بأن الانسحاب أسلم وسيلة للحفاظ على ما تبقى من أرواح لم يكن حتى يسمع تلك الكلمات، فكانت تعني بالنسبة له هزيمة وتنازلاً، والشجعان لا يتنازلون عن كرامتهم ما داموا يتنفسون، فقد كان مقرراً في قرارة نفسه أنه سيظل في هذا الموقع وفي تلك الحروب الطويلة حتى ولو بقي وحيداً، فإما أن يعود منتصراً أو شهيداً، أما عدا ذلك فليس في حسبانه من الأساس.. وقد كان.

ظل متمسكاً بالبقاء حتى صارت الهزيمة شبحاً يهدده هو شخصياً، الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، ولم يعد حتى لديه من البشر مَن يقاتل معهم أو لأجلهم، فلم يكن له إلا أن يتلقى أمراً بإعلان الهزيمة والانسحاب وعودة الأفراد القلائل الذين ما زالوا أحياء يرزقون.. وماذا هو بفاعل أمام أوامر قياداته العليا؟ وتلك اللحظة فقط كانت نهاية حياته فعلياً، فلأي شيء سيعود؟ لمَن ولماذا؟ ولِمَ لم ينل الشهادة مثلما نالوها بدلاً من عودته منكسراً مهزوماً بلا كتيبة وبلا نصر وبلا حياة؟

وعلى الرغم من استقباله ومَن معه كأبطال حرب شجعان فإنه لم يكن يشعر بأي شيء تجاه هذا الاستقبال الحافل، لم يكن تعيساً ولم يكن سعيداً، كان فاقداً لكل شعور وكأنه ما زال هناك في موقع الحرب لم يعد مثلما عاد الباقون، لم يكن حتى مشتاقاً لزوجته وأولاده، كان سيشتاق إليهم لو لم يكن عايش كل ما عايشه في تلك الفترة العصيبة الدامية التي مر بها، لم يرَ أحداً منهم منذ سنوات فتغيرت ملامحهم وتغيرت حيواتهم، وصار هو كطفل وليد يتعرف على معالم الحياة من جديد.

كانوا يعتقدون أنه يعاني من آلام جسدية جراء ما لقيه في تلك السنوات، وأنه فقط في حاجة إلى بعض الوقت والرعاية؛ كي يتعافى ويعود من جديد، لكن الأمر لم يكن كذلك أبداً، ولم تكن لديه الرغبة أو القدرة في مشاركتهم ما يدور بداخله، فقد انتهى وصار رماداً فكيف لرماد أن يعود إلى أصله من جديد؟

مر على عودته سبعة أشهر، سبعة أشهر وهو يصارع من أجل البقاء لسبب لا يفهمه، وأسرته تصارع من أجل تقبُّل ما هو عليه، لا يغادر غرفته إلا في أضيق الحدود، لا ينام إلا ساعات قليلة جداً فاقداً شهيته للطعام وللناس، وعازفاً عن الحياة كلها، ولم يكن أحد مستوعباً ما يمر به، فقليل ما يستوعب البشر آلام الآخرين المحبوسة بين ضلوعهم.

لكنه الآن وفي تلك اللحظة بالذات شعر بالسذاجة وأن مقاومته لرغبة الموت طوال تلك الفكرة كانت عبثاً، فهو حتماً لن ينتظر حتى يأتيه الموت سالباً إياه ما تبقى من فتات حياته دون إرادته، فهو البطل ولن ينهي حياته سوى قراره وضغطة إصبعه على الزناد، اعتدل في جلسته قليلاً ثم قرر أن يأخذ جولة في منزله الفارغ من البشر المشغولين بأمور حياتهم وأعمالهم ودراساتهم، لم يكن يتجول في منزله سوى للبحث عن مبرر واحد يجعله يتشبث بالحياة، لكنه لم يجد.

كل ما كان يدور في باله في تلك اللحظة أنه يريد تخليص نفسه وتخليصهم من هذا العبء الذي أصبح يمثله، دخل غرفته مرة أخرى، ولأول مرة في حياته وجد الدموع تسيل من عينيه دون حتى أن يلحظ، أمسك المسدس بيده ووقع نظره على صورته بالزي الميري التي كانت موضوعة أمامه، بحركة لا إرادية قام بأداء التحية العسكرية، ولأول مرة منذ سنوات ابتسم ابتسامة ظلت على وجهه بضع ثوانٍ.. أغمض عينيه، وضع المسدس في جهة رأسه، وبيد قوية ثابتة لم تعترِها رعشة واحدة، ضغط على الزناد بقوة.. وانتهى كل شيء، وقد كان منتهياً منذ سبعة أشهر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top