الانتماء.. ركن الدائرة المفقود “متى يعود”؟ “2”

الانتماء، ذلك اللاملموس، فلا أنت تستطيع أن تمسكه، ولا تستطيع أن تتركه، لا هو صلب ولا ليّن، هو والروح سواء؛ ففقدان الروح ينهي حياتك على الأرض، وفقدان الانتماء يجعلك بلا أرض.

قررت أن أكتب في ذلك الملف الصعب، لا قالب أكتب به، ولا طريق محدد أسلكه، تحسست طريقي من خلال حياتي، وكتبت. أنشره في جزأين؛ لتصفّح الجزء الأول منه اضغط الرابط التالي:

الانتماء.. ركن الدائرة المفقود|”متى يعود”؟ (1)

ختمته بفقرة رحيل مبارك، وحجم إدراكي في ذلك التوقيت، وشكل انتماءاتي وقتها، والآن أستكمل.

“9”

بعد مرور عدة سنوات بدأت أفكر، هناك تحولات كبيرة حدثت في شخصي وفي دوائر انتماءاتي، وأصبحت أرى أموراً لم أكُن أراها، وأعرف زيف حقائق كانت راسخة، وأقتنع بأخرى كانت زائفة، وأصبحت أنمّي وعيي بنفسي، وتفكيري منصبّ على فكرة واحدة، هل أنا منتمٍ لمصر فعلاً؟

بدأت أفكر في الأمر بشكل ما، تبين لي أني أنتمي لبعض الذكريات، وأنتمي للعائلة، وللأصدقاء، أنتمي لبعض الأمور منها ما يتغير ومنها ما هو ثابت، وبدأت أفكر في أنه “لا ينبغي أن يُبنى أصل حياتي على متغير”، أما الوطن فأنظمته ووجهته تتغير وحتى حدوده تتغير مع تغير الزمان.

ماذا لو حدثت معركة؟ هل أكون متردداً في انتمائي للقضية -إن وجدت- أم ضد؟ هل أنا على استعداد للموت في معركة قد تكون من أجل المصالح السياسية لبعض الجنرالات؟ إذ إن أغلب المعارك هي في الأساس سياسية، كيف أكون جزءاً من هذا الكيان الوطني؟ ولا أعني فقط الجيش، ولكن أعني الوطن بشكل عام.

“10”

كنت عضواً في حزب ما، فكرت وقتها أني حتى أنتمي لكيان ما وأتوافق معه يجب أن أتنازل عن جزء من فكري الذي كنت قد توصلت إليه حتى وقتها، في مقابل التوافق، ولكن وصل الأمر إلى أن وجدت أن الكيان ما هو إلا صورة سياسية أخرى فاشلة، وأني أتنازل عن كامل فكري وما أعتنق ومبادئي من أجل هذا الهراء، فرحلت، لكن محل مولدي لم أختره ولا أستطيع أن أنكره.

أنا محاط بمجموعة من الأكاذيب من كل اتجاه، لا يمكنني أن أصدق سياسياً ولا إعلامياً، ولا يمكنني أن أصدق ما يعرض على الشاشة الفضية فهو في الأغلب لتوجيهي، لا أصدقهم حتى لو قالوا الحقيقة فهم عندي بمثابة من يدس السُّم في العسل، أنا محاط بعالم واسع من حمقى الوطنيين، أنا نقطة في هذا العالم.

تبين لي أن الانتماء هو مجموعة من الصور، يفترض أن أعمقها غُرس في الصغر، ولكنه كان أضعفها؛ لأنه بني على باطل، الانتماء الحقيقي هو أساس كما الجاذبية للإنسان لولاها لأصبح سابحاً في الفضاء، ولكن الجاذبية وتكوين الإنسان العضوي جعلا منه كائناً أرضياً وإن كان شقه الروحي لا ينتمي فيظل حبيس الجسد على الأرض.

“11”

لكى تتعرف على انتمائك عليك أن تعرف حقيقة نفسك أولاً وهي أمور لا يمكنك معرفتها في الصغر؛ لذا يوكل آخرون بها عنك.
ولكن الآن أنت إنسان ناضج فأنت تقرأ هذا المقال، سَل نفسك: مَن أنت؟!

لأساعدك، أنت تلك المساحة التي منحها لك أبواك عند ولادتك لتعبر فيها وتتحرك فيها، ومن دون قصد ومع الوقت بدأت تتحرك فأخذت تلك المساحة تتسع، عندما دخلت مدرستك، كنت أنت المساحة التي وجدتها متاحة لك في بداية علاقتك بالآخرين، وأنت أيضا مساحة أكبر أو أصغر بعد ذلك تبعاً للطريقة التي قررت العيش بها مع الآخرين، أنت حاصل مجموع المساحات التي قررتها، ظللت تدفع بكتفيك يميناً ويساراً وتطلق ذراعيك في كل الاتجاهات من حولك؛ لتعلن في منطقة ما أن هذا أنا هذا مكاني، فأنت المساحة، أنت التأثير والتأثر، أنت الكيان، أنت الوجود، أنت القيمة التي يقيم بها المُنتمى إليه وليس ما تنتمي إليه من يقيمك، جعلك الله السبب في وجود حضارات وقيام دول وهلاكها، أنت أعظم مخلوق على الأرض، أنت “الإنسان”.

أما الآن، وقد أجبِرنا على أن نطأطئ رؤوسنا وانكمشت مساحتنا التي تحركنا من أجلها لصالح مساحات آخرين، علينا أن نسأل أنفسنا بجدية: هل حقاً ننتمي؟!
عليك أن تفكر ملياً وتقرر حقاً انتماءك وحدوده ولا تنسَ أن لقب فلان “وطني” كالتاريخ “يُحرّف” مضمونه مَن ينتصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top