عساها تكون ليالي دافئة

جئت بقلبي على يدي، أنظر إليك لأهتدي، هل تَقبلني وتتقبلني بما حَدث وما سيحدث أم ستمضي وتعتذر؟
صراعي يصارع أفكاري، وسلامي يتبدد على حافة كل اختيار، وتتغير كثير من المعاني، وتفرض المعاناة معانيها على الموقف، والموقف يتسع ليأكل العمر، ونحن دائما في -الوسط المخيف- والزمن دوماً لا ينتظر ونحن ما زلنا أطفالاً في حقل تجارب الحياة.

وأنك راحل وإن بقيت وأني باق وإن رحلت، ونحن ما زلنا على فراقهم لمحزونون، فلم نعد بحاجة إلى ضمان وعقد وشهود، لم يمنعنا أياً كان أن نفند أسباب الوجود، ودائما كانت الأسباب غير كافية.

كثيراً ما تقودني الأحداث للتنحي جانباً دون نية للمشاركة، وكأنها شيخ واعظ أسلوبه مقنع جعلني أُؤمن بعد إلحاد عميق.
وتؤلمني وقاحتهم عندما يتساءلون عن أحوالي وقلوبهم ما زالت تقسو على كل ما هو لين في الطرقات.
فدعنا نذهب دون أن نسأل إلى أين أو متى نعود؟ فأنا لا أدري وجهتي وبداخلي جزء لا يريد العودة، وعلى الغالب الجزء الأقوى ضعفاً فيّ، أنا وحقيبة ظهري ومسكن ألمي وكتاب يروي قصة تشبه قصتي، لم يتسنّ لي الوقت لختامه، لعلي أنتظر أعيد صياغتها إن لم تتفق مع ما سيحدث، لم تعد عملية الإلهاء كافية، عقلي لم يعد يخضع لها بشكل كامل، جزء من النص دائماً مفقود، وإن كثرت الأحاديث.

الأقدار أثقل من أن نتحملها بدون انحناء، لم تعد تستطيع الأكتاف أن تصمد أكثر.
سعينا في مسارات قد قادتنا مرة وأذهبت بنا على غير هوانا، ومرة حملتنا إلى طريق أردناها، مستقرنا الأخير قد يأتي عكس ما حسبنا له، ولكننا نأمل أن نرتاح في نهاية الرحلة في مكان دافئ وقريب.
ألا أحدثكم عن قوم أهلكونا فاستهلكونا، فأتوا بالأيام علينا، ولم يرحموا ضعيفاً جاءت به المحن من الاتجاهات الأربعة، قوم قاسية قلوبهم لم يرهقوا أنفسهم لحظات للاستماع لصرخات صداها يوقظ المدينة ليلاً، هؤلاء الذين فارقوا وأخذوا ما أخذوا لنبقى نحن منكسي الرأس لا نتطلع سوى للنافذة في تلك الليالي الباردة.

ألا أحدثكم عن طموحات الشباب وقبعة التخرج وخطابات الانتصارات لهزائم معلنة، طاقات العشرين المهدرة، ونظرات الاستخفاف والوظيفة الخالية، عما أردناه وعما حدث وعن الخيبة التي تتكرر مع كل صباح، وأحلام حياة انتهت إلى أحلام يقظة.
أهلكتنا الحياة، وفعلت بأصحاب العشرين والثلاثين ما لم تفعله مع محتلي الأرض، فيا من شاركتنا أياماً وسنين قد أرهقنا الوصول بقدر ما أرهقك، ولسنا على ما يرام من دونك.. أعلم أن طاقتك قربت على النفاد إن لم تكن نفدت بالفعل وأنك اختبرت من الحياة ما جعلك تفضل الوحدة شيئاً فشيئاً، وإن كنت مجبراً عليها سابقاً.. وأعلم أني قصرت معك، فأنا مثلك، ألهث في دوامتي، وكنا سواءً في المعاناة وأن اختلفت القصص وتفاصيلها، ونحن ما زلنا نجاهد للوصول إلى شاطئ، لنرمي بأجسادنا المهلكة عليه.
ولكن ماذا بعد؟ من الذي سيلتقطك من هناك ليدفعك للحياة مرة أخرى؟ هل فكرت يوماً كيف ستنجو وحدك من هذه الصراعات وأنت في مواجهة أحزانك ومخاوفك الثقيلة، وقد أرغمتك الظروف على أن تبعد عمن بقي ولم يبعده الزمن من قبل، وكلانا يعلم أن شيئاً تغير ولم يعد كما كان؟!
ولأننا رأينا ما رأينا، أتسمح لي بأن أزيح تلك الصخرة من فوق صدرك لنتنفس معاً، دعنا نتأقلم بما حل هنا، نتقبل تراطمنا بالصخور ونضمد تلك الجراح، نتصالح مع أنفسنا ومع من فقدناهم بالرحلة، وعندما نتقابل في طريق بعد أعوام، نبتسم لهم تلك الابتسامة ونواسي بعضنا بنظرة طيبة لا نقصد من ورائها غير تعازينا على غيابهم وما مروا به، وامتناننا على كونهم جزءاً من رحلتنا.

وأما عني، فلن أدعك تقدم عذراً لغيابك، وسأقدس رحلتك، وإن لم تعلن عن تفاصيلها، أقدر محاولاتك المتكررة في إخفاء ثقل السنين الماضية وذلك يحزنني كثيراً، سأساعدك على تقبل ما مضى، أتفهم تماماً ما الذي جعلك تتعثر وأنت تحكي الحكاية، ذلك السواد تحت عينيك، وأعلم بشأن الحزن فيهما، شرودك يكفي، لا داعي أن تختلق الأسباب، لن أعاتب ولن يأخذني فضولي يوماً، أنت فقدت القليل وفقدت الكثير، وهناك متسع من الوقت لا يعلمه إلا ربي، ذلك الوقت، وإن كان دقيقة أو أعوام.. هي كل ما لدينا الآن.

لعله جاء وقت الهدنة استكِن وارفع تلك الراية، استكِن واذهب لحديقة روحك الخلفية، ألقِ بعينيك على تلك الورود المنسية، وإن استطعت أن تنقذها افعل، وإن لم تستطِع أو كان عليك عبءَ اتركها تلقى مصيرها في هدوء لا تزعجها في آخر رحلتها، ولا تزعج حالك بالنظر إليها يكفيك قساوة ما رأيت.

وإن كان حقاً على العالم أن يحدث ما حدث، فنحن أحق بمن نحب فيما بعد هذه الأحداث.
قلبي ليس براحل عنك، وفكري يدري بما يدور برأسك، نحن نشتاق ويأخذنا حنين لما تركنا، نحن نشتاق ولم يعد لنا غير هذا الصندوق القديم ملأناه بقصاصتنا وصور غير كاملة وبواقي رسائل الطفولة، وتلك الميدالية التي اقتسمتها ليكون أولها معك وآخرها لجارك المسافر، وزهرتك في ذلك الكتاب وأعلام المدينة الباقية وعليها دماء صديق لا تعرفه.
سأتحمل حنينك في الليالي الباردة، وشرودك البعيد على تلك الشرفة، سأتحمل كلامك غير المرتب عندما تطلقه في وجهي دفعة واحدة، سأتحمل حين لا تريد النهوض من فراشك وسأبحث معك عن أسباب لتركه وإن لم نجد سأستلقي بجانبك، سأقول أن الأمور ستكون دائماً بخير وسأكررها ليطمئن قلبك؛ لأني ما زالت أحتاجك، سنتخطى معاً تلك المحن، وأنا بجانبك أقرأ لك الجريدة في الشرفة، وتظل أنت ساكناً، لكن هذه المرة ستطلب أن أقرأ لك فقط الأخبار الجيدة.

قبولنا بالوضع ليس ضعفاً أو هرباً لعله آخر سبيل للعوض.. عسى أن نلقى أرضاً سوية نضع أقدامنا عليها دون عكاز نتكئ عليه أو جدران نستند عليها، عسى أن تكون لها طرقات تصلها الشمس وتُسمع منها ضحكات الأطفال وأصوات قريبة تحكي لنا قصص أبطالها الطيبين الذين تمكنوا من النجاة وعاشوا بسعادة في تلك المدينة، وبالليل قمرها يواسي أرواحنا المهلكة، ويحمل إلينا الأحلام السعيدة، ويحمينا من نوبات الفزع، عسى أن تكون أيامها دافئة، أيام لا تُفرق فيها الأحباب ولا يشيب بها الرأس.. تروقني كثيراً هذه الفكرة معك ألا تروقك؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top