المهندس قديماً، كشخصية، رجل من الطراز الأفلاطوني، يبحث في كل شيء بنهم، يتمتع بحس فني نادر، وخيال جامح، يستطيع أن يبهرك بحديثك، إلى درجة تجعلك تشعر بوقع سحره عليك، حينما يتحدث بطريقة سريالية تجعلك تشعرين بأدق التفاصيل كما لو كنت تعيشينها أو تلمسينها، لقد وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم بفعل هذا النمط النادر من التفكير، الطائرات، والأقمار الصناعية، إلى الجهاز الذي تقرأين منه اليوم هذا المقال، لكن ماذا عن مهندس اليوم؟
مهندس اليوم لا يبعد كثيراً عن النمط المذكور، ولكن دخلت إلى حياته مجموعة متسلسلة من القوانين والأرقام والإثباتات التي لا تعني له أي شيء، عدا أنها تضيف المزيد من التعقيد لبساطة حياته، يقضي المهندس حياته متنقلاً بين الوظائف، بالتالي فلن يشعر بالاستقرار مع شح الوظائف على المستوى العربي، بالتالي فهو سيقاوم اليأس بروح منطقية جداً في سخريتها على الواقع، سيقضي معظم وقته يعمل أعمالاً لا تناسب تخصصه، سيهتم بالشعر،
سيضيع الوقت في تأمل تفاصيل غريبة، سيطلع على علم النفس، ويبحر في علم الأدوية وتأثيراتها، سيلتزم الصمت حينما يكون الجميع ثرثاراً، إن حدث ورزق بطفل، فإنه سيهتم بأدق مراحل الحمل، سيسأل عن الوزن، عن قطر رأس الجنين، لن يهتم كثيراً لجنسه، وإن حدث ومرت امرأة بحياته، سيظل يتذكر شمعة أوقدتها ليلاً في إحدى لياليه التي عاد فيها متأخراً شاحب الوجه، سيتحمل وحده عبء حياتك، سيحترم ذوقك كما يكون وبشكل يدخلك في حيرة،
إن كنتِ فعلاً تروقين له، سيعرف جيداً المعنى الذي تتفقان عليه في حياتكما حتى ولو جهلتِ أنتِ ذلك، أدي المطلوب منك كحبيبة وزوجة وسيؤدي دور قيس، سيكتب لك شعراً، سيحضر لك أجمل باقات الورد، لكنه سيظل يرى حياته مجرد وظيفة يؤديها، سيرى أطفاله مجرد عابرين في عهدته لا بد أن يمنحهم الحب حتى يكونوا أقوياء ليكملوا حياتهم، سيراك شريكة عمل يكن لها أعظم الاحترام، سيتورط معكِ بشكل عاطفي مؤلم، سيجد مليار دافع لحبكِ،
سيجعلكِ مميزة جداً، لكنه كذلك قادر على إيجاد أسباب أكثر كي يكرهكِ، كتلك العلاقة بين الطبيب ومرضاه حينما يشعر تجاههم باليأس وكتلك العلاقة بين القاتل والضحية حينما يعرف أنه لا يرغب قتله، سيكون منطقيّاً جداً حتى ولو حكمة الواقع، لو حدث وأغرمتِ بمهندس، فأنتِ في ورطة؛ لأنك ستجدين ما يحيرك كثيراً تجاهه، له حياته العامة وحياته الخاصة معك، ودائرة أخرى من الحياة لأشخاص آخرين، لكنه سيحتفظ بحياته السرية بشكل مريب،
ستشعرين أنه أحبك في حياة أخرى، وستشعرين أنتِ بالحياة حينما يشعرك بحبه، ستختبرين مساحات من عقلك وخيالك لم ولن تعرفينها إلا معه، لربما تجدين نفسك أجمل ما يكون معه، لكن الكارثة أن نسيانه صعب بقدر ريبته، لن يُنسى، ولذلك، من الأفضل ألا ترتبطي بمهندس.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.