بين لذّة العُزلة وحنين الانتحار.. وفاء الأمل

بعد أن دخلت في عالم الصّمت الأبدي، أكلت بلذّة بعض اللقمات من “المرقة بالخُرشف”، أبلعها دون أن أمضغها، رأيت في الثلاّجة زجاجة نبيذ، أخرجت من المطبخ كأساً صغيرة وملأتها، سمعت هدير حمامة، رفعت عيني إلى السماء من النّافدة، الهدير يتلاشى بعيداً دون أن أرى الحمامة، شربت الكأس دفعة واحدة، الأشياء بدأت تستعيد صفاءها في ذهني، دخّنت سيجارة وشربت الكأس ثانية، نهضت ومشيت في الشارع الذي أعتبره الرفيق الوفِيّ، المطاعم غاصّة بالنّاس، رائحة الشّواء في الهواء، نسيم المساء يُنعشني، الأشياء تصفو أكثر فأكثر في ذهني.

اتّجهت إلى الخلاء في مكان مُظلم لأستمتع بعزلتي، أشعلت سيجارة ثانية وفتحت الرّاديو، انبعثت موسيقى هادئة، جميلة، ارتخيت على شجرة وأخذت أنظر حالماً في الظلام، أعجبني الفصل الموسيقي، الفرح والحزن يتصارعان في نفسي، تملّكتني رغبة في البكاء.

سحبت نفساً عميقاً، سعلت ثم غمرني ارتخاء لذيذ، أشتهي بعض الوقت من العزلة، بعيداً عن هذه العوالم الافتراضية، وصخب المدينة وضحكات نادل المقهى الذي أرتاده.

فكّرت مليّاً في الانتحار لكن متى كان وضع حد للحياة “الانتحار” حلاً عقلانياً ديماغوجياً لمواجهة الصعاب؟ فهل يقبل المنطق أن يكون المرء الذي وُصف واعياً عاقلاً ومُدركاً لما حوله، أن يُقدم على الخلاص من نفسه بنفسه؟

لا شيء صار يُسعدني غير رائحة التّبغ الأشقر.
وفي الصباح الباكر، قصدت الشّاطئ، فارغاً أحسّني، رخواً، صفعتني الشّمس الحارة، أرتعش من العياء، بدأت أتخيل أنّي سأسقط ولا أستطيع أن أقوم، رحت أتأمّل خطواتي على الرّمل تلعقها الأمواج.. وفي المساء، بعد تسكّع طويل انبطحت قبالة “حانوت بّا إبراهيم”، رفعت وجهي نحو السّماء، سبحت في بحر خيالي، تسرّب الحزن القذر إليَّ، واختنق تنفّسي، ثم دون سابق إندار انبعتث لديَّ رغبة في أن أُفنيَ هذا الجسد الجاف بأي شيء، حلقي ناشف يخفق بوهن.

نمت في الشاطئ وحيداً يوما بأكمله.. وأثناء طريقي للرجوع إلى البيت، اشتريت من بائع الفواكه الجافّة سجائر “ويستون” مُفردة، ذهبت إلى المقبرة لأستمتع بعزلتي؛ لأنّها هي المكان الوحيد الذي يمكن للواحد أن يدخل من بابه في أيّة ساعة يشاء، نهاراً أو ليلاً، دون أن يطلب من أحد إذناً بالدخول، فرّشت الكرتون، أشعلت سيجارة ودخّنت بلذّة، الأشياء بدأت تستعيد صفاءها في ذهني، بدأت أطرح مع نفسي أسئلة فلسفية عميقة: ما معنى أن يعيش الإنسان ثمّ يموت؟ من نحن أصلاً؟ ولماذا نعيش؟ الأسئلة كثيرة، لكنّي لا أفهم معناها بوضوح، بصقت شاتماً العالم، كل ما أعرفه هو أنّ الحياة يجب أن أحياها.

قالت إحدى الصديقات: “إنّ الإقدام على وضع حد للحياة أو الانتحار دليل على جمود الإنسان تجاه ويلات الحياة”.. وإذا نظرنا لهذه المسألة يا أخي المواطن بمنظور ثيولوجي، فهو سمة تحيل إلى ضعف الإيمان.

تأسيسا على ما سبق.. لطالما كانت بعد الشدّة رخاء، فيكفي الصبر، فقد عهدنا أنّ دوام الحال من المحال.
أرجوك انسَ الأمر، فإنّ الحياة لا تتوقّف عند أوّل حاجز يعيق أحلامنا، واعلم أنّه كلّما مررت من تجربة قاسية أو تكاتفت الغيوم السّوداء لتحجب الشّمس عن حياتك، ستجد شيئاً ما في نفسك، يقاوم ويحارب بغية إبعاد الأوهام التي تقول لك: إنّك لن تستطيع النُّهوض ومقاومة ألم السقوط، ذلك الشّيء قوي جداً، إنّه الأمل، لا يمكن أن نعيش بمنأى عن هذا الصّديق الوفي الذي يلازمنا في أشد الأوقات صعوبة.

فلا معنى للحياة من دون أمل ولا قيمة لها، تذكّر يا صديقي، إنّ الأمل شيء جيّد والأشياء الجيّدة لا تموت أبداً. فهو إن صحّ التعبير تلك النّافذة الصغيرة، التي مهما صغر حجمها، إلا أنّها تفتح آفاقاً واسعة للحياة
حقّاً، الحياة تستحق أن تُعاش.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top