يعاني العالم من غياب الفرحة الصادقة أكثر مما يعاني من التخمة الماديّة الصادقة، ويمتلئ بريد العبد لله بما يرهق كاهله في كثير من الأحيان من الشكاوى المتنوعة من غياب راحة البال والحزن على المآل، ولم تعد الإجابات التقليدية تشفي غليل الكثيرين.
فهذا الشاب الذي يقضي كل شهر في بلد لأن بلاده قد ضاقت من حريّته يسألني: هل يستطيع البال أن يستريح وهو يطير في الطائرات ويعاني في المطارات ويتجوّل في أزقة وحواري البلاد النامية هروباً من التأشيرات منتهية الصلاحية؟
وهذه أمّ قد قرّرت بعد خمسة من الأولاد وثلاثة من الأحفاد أن تتناول قرص الصراحة وتخبر زوجها القاسي بأنّها لا تطيقه ولم تكن تطيقه طيلة 35 عاماً من الزواج في شراكة بائسة، وتستجدي الإجابة المريحة، أليس ما فعلته هو عين الحقّ يا دكتور؟.. فأولادي يتهمونني بالخرف ويريدون أن يحجروا عليّ!
وهذه شابة تعيش في بلاد الغرب متمردة على أسرتها الملتزمة دينيا تدعوني لأن أساعدها في طمأنة نفسها المضطربة بأخذ فتوى اجتماعية من الدكتور خالد المسكين بجواز زواجها بغير إذن وليّها من شاب بوذيّ لتعيش معه في كوخ قرب جبال الهيمالايا يتعبدان بالتعاليم البوذية الثمانية.
وثالثة الأثافي أن يدعوني أحدهم منذ شهرين للكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ لأنّ زوجته تتابع كتاباتي وتتخذني مرجعاً، فلو كفرت أنا بالله ورجعت للجادّة المستقيمة -حسب قوله- فسوف تنصلح علاقته بها بعد توترها لشهور!
كل هذا الزخم في بريدي هو غيض من فيض ممّن تضطرب أرواحهم وتنخلع أفئدتهم وتهتز كينونتهم فلا يجدون راحة ولا عافية ولا يهتدون طريقاً.
والحقّ أنّه رغم دعمي لكثيرين منهم فإنّه تتبقى معضلة كبيرة وإشكالية معقّدة هنا، هل يعاني هؤلاء من تذبذب الداخل الإنساني؛ لأنّهم سلكوا سبيلاً بعيداً عن المنهج الذي يوصي به الله ورسوله؟ أم لأن تربيتهم ونشأتهم كان ينقصها الكثير من السواء النفسي والذهني؟ أم لأنّهم قد تعرّضوا لتأثير زلازل وبراكين من فعل القدر فلم تصمد أرواحهم لقسوتها؟
البدائل الثلاثة مطروحة في الحقيقة، وإن كنت أميل علمياً إلى أن الأمر يمثّل مزيجاً تختلف فيه النسب وتختلط فيه العوامل الخارجية والداخلية.
وربّما يهمّ المتصفّح هنا أن يجد حلّاً معلّباً سريع التناول وقرصاً سريع الإذابة للخلاص من توتّر البال وارتعاش الأوصال.
وهنا أنصحه ألا يقوم بتجربة ما نصحنا به بعض أساتذة كليتنا في بداية التسعينيات حينما كنت طالباً في كلية الطب، حينها كانوا يخبروننا بنصيحة للتوفير المالي للمرضى في المستشفى الجامعي، فكانوا يعلموننا بالإنكليزية..
When Unknown. Give Cortisone
يعني حينما تحتار في تشخيص المرض؛ لأنّك لا تريد تكليف المريض تحاليل طبيّة أو أشعة تشخيصية، فالكورتيزون الساحر الذي يعالج الكثير من الأمراض هو الحلّ.
ونسي فقهاء كليّتنا أن يخبروا طلابهم أنّ العلاج الكورتيزوني على الرغم من نجاعته وعبقريته له من الأعراض الجانبية ما يشيب له الولدان.
فهنا لا أنصح إطلاقاً الأصدقاء والقرّاء بأن يريحوا بالهم بالنصائح الكورتيزونية، فلا بد من تشخيص دقيق من متخصصين لفحص أنفسهم وأحوالهم لتجنّب الأعراض الجانبية لنصائح المدّعين الكورتيزونيين الذين تمتلئ بهم الشاشات وتنتفخ بهم مواقع التواصل الاجتماعي.
وكيف نعرفهم؟
سوف تجدونهم يطلقون الكلام الفخيم العام ويكثرون من كلمات (طبعاً) و(بالتأكيد) و(كلّه هيبقى تمام… بس انت اسمع الكلام).
مع الاعتذار للعبقريّ مخترع عقار الكورتيزون.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.