حقيقة الشكوى

أَيُّهَا الشاكي وَما بِكَ داءٌ ** كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا
(إيليا أبو ماضي)

مرَّ رجل على صديق له، فوجد كلب الصديق جالساً على الشرفة يئن ويتوجع، فأخذه الفضول، وسأل صديقه: لمَ يتوجع الكلب؟ قال: لأنه يجلس على مسمار، فسأله: ولمَ لا ينهض إذن؟
فأجابه الصديق: لأن المسمار لا يؤلمه بالقدر الذي يجعله ينهض، بل بالقدر الذي يجعله يئن فقط.

الشكوى هي التعبير عن عدم الرضا، عن الاستياء، وعدم الراحة، هي وسيلة احتجاج، ودعوى اعتراض.
الشكوى هى اللغة المشتركة بيننا، كلنا نشتكي بحق أو بدون حق، واعين أو غير واعين، قد تكون الشكوى حقيقية، وقد تكون رؤية خاطئة للأمور، أو أوهاماً رددناها فصدقناها، وفى كلٍّ إذا نحن لم نتخذ إجراء لمعالجتها، لتقويضها، تضخمت لتطوق حياتنا بأكملها، ولسدَّت علينا طرق الحل ومنافذ الأمل.

ولكن يبقى السؤال: لماذا نشتكي؟

الشكوى هي المتنفس الذي من خلاله نُوصل رسالة لمن حولنا مفادها كم نحن ضحايا الحياة غير العادلة، نشتكي كي نحظى بالاهتمام، ونحصد التعاطف، ومن ناحية أخرى نُسكّن أنفسنا بأن نُلقي بأسباب تكاسلنا وفشلنا على أشياء خارجية.

وأحياناً الشكوى تكون نتاج الحسد، ننظر إلى كفاح الآخرين بعين حاسدة، نتمنى لو كنا مثلهم، ولكن نَدعي أن الظروف تقف بيننا وبين أمانينا، فتسيطر علينا حالة من السخط، تُترجم إلى حلقة دائمة من الشكوى، نكرر الشكوى، ونسوق الأسباب نفسها للتدليل عليها، وإذا لم نشتكِ من الحاضر القاسي شكونا من الماضي الغادر الذي أذاقنا الآلام والمعاناة، وبينما يسعى الأذكياء لتبسيط كل معقد، نسعى نحن لتعقيد كل ما هو بسيط، وهذه تصرفات الحمقى.

إذن.. ماذا نفعل؟

أقول للذي يترك أذنه للساخطين:
إن التعساء ممن سقطوا بفعل الظروف الخارجة عن إرادتهم يستحقون كل عطف، ويمكن في أغلب الأحيان تغييرهم، بتبديل النهج الداخلي لهم من نهج الشكوى إلى نهج القتال، لا بأن تسمعهم كلمات العزاء، ولكن بأن تضع في أيديهم معولاً ليهدموا سجونهم ويمهّدوا طريقهم.

ولكنَّ هناك آخرين لم يولدوا تعساء، ولكنهم يجرون التعاسة على أنفسهم جراً، وسوف تعرفهم، سترى السخط في عيونهم، أشكالهم جوفاء ووجوههم مستعارة، لا تأخذك بهم رأفة، ولا تورط نفسك معهم؛ لأن الحالات العاطفية معدية كالأمراض، قد تشعر بأنك تساعد المنكود، ولكنك في الحقيقة تُعجل بكارثة تصيبك أنت.

وأقول للشاكي الساخط:
هل سبق أن فكرت في احتمالية أنك قد كرست حياتك كاملة للأوهام؟

ولعل من الغريب أن أقول إنك تصيب نفسك عمداً، وتخط خطة لتنتقم من نفسك قصداً.
يا هذا.. الوقت ثمين، لا تضيّعه في الأنين والعويل، أي مانع يمنعك من الخلاص، وأي حائل يحول بينك وبين الحياة، والحق أن ليس في الحياة من أعباء عليك إلا نفسك، لا تزال تثقلها بما لا طائل وراءه، ودعني أسألك:
إذا كنت ستدفع مالاً مقابل الشكوى فهل تراك مستمراً على هذا؟ الإجابة هي لا.

قبل أن تتحدث وتبدأ في بث همومك ومآسيك، هل أنت فعلاً تحس بهذا البؤس وهذا الألم؟ أم أنك تزايد على الواقع بشيء من عندك لتنال الاهتمام، ولعلك حكمت على الأمور خطأ، فتأكد ساعتها أن الأذى لا يأتيك إلا من ذاتك، فإذا صححت أحكامك تكون قد داويت نفسك، وحتى لو كنت حزيناً لأنك لم تحقق ما ترجو تحقيقه، فلماذا لا تواصل السعي إليه بدلاً من الشكوى؟

وبإمكانك إذا شئت ملاذاً أن تطلبه في نفسك لا عند غيرك، فقيمتك كامنة فيك لا تأتيك من خارجك، وعلاج الصدمات والمحَن لا يكون بالمواساة السطحية التي تتسولها من الآخرين، بل بالمواجهة العميقة.

فكّر في ماهية الشكوى، جرّدها من غلوائها، اخلع عنها رداءها، تفرَّس في طبيعتها، وأطلق عليها اسمها الصحيح، وتأكد أن مَن يعاني دون أن تكون هناك ضرورة لذلك يعاني أكثر مما هو ضروري.

وهل كنت تظن أنك ستسير في الحياة على طرق ممهدة؟ أكنت تعتقد أن مهامك يسيرة؟
لا، فالمهمة شديدة، والطريق وعرة، والحياة صراع يكون في مبدئه عنيفاً قاسياً لا يدع لنا راحة، حتى إذا وُفقنا إلى قراءتها وفهمها تجلت لنا في حقيقتها، ووقفنا على حقيقة قدراتنا، فنصبح أقوى، ندعو إلى التحديات، ونسارع لمجابهة المشكلات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top