يا الله نسألك حسن الخاتمة

هل أدلَّك على شجرة الخُلدِ ومُلكٍ لا يبلى” (سورة طه: آية 120).

بحث آدم -عليه السلام- بفطرته مُذ بداية وجوده عن سر الخلود هروباً من الفناء والموت، والخوف من الفَناء كان الثغرة لخروجه من الجنّة؛ لذلك من الطبيعي أن تجد أن الغريزة الإنسانية تبحث عن الخلد، وإن أحبَّ مساعيها هو طول البقاء، كذلك ذريةُ آدم من البشر بحثت عن الخُلد، فترى أن المرء يُكثِرُ من نَسلِهِ ليبقى اسمه، ويؤمِّنُ الأرض لذويه ليُخلِّدَ الترابُ مجده، ويُؤَمِّم إنجازاته باسمه ليُخلَّدَ ذِكراه، مسألة الخلود والهروب من الموت ستظل العُقدة الأعظم التي لا تُفَك في قصة وجود الإنسان إلى يوم البعث، ليس هناك سبيلاً لفكّها لكن ما هو أعظم أن يتصالح المرء مع عقدة الموت.

قد تكون مسألة الموت عُقدَة حقاً عند الكثير مِنَّا أو حتى مُعظمنا، بل قد لا نستوعِبُها، أذكُرُ يوماً في صغري عندما تسلَّلَت إلى مُخيّلتي مسألةُ الموت سواء بتفكُّرٍ أو تدبّر أو وعظٍ مدرسي أو سردٍ في حلقات المساجد، تساءلتُ كثيراً عن ماهية الموت وكيف يكون وما هو؟ وماذا يحصل ويحدث حينها؟ ثم هل “قَدَرُ” الفناءِ سيحلُّ على والدَيَّ، على إخوتي، عليَّ أنا؟ هل حقاً سيشربون جميعهم من تلك الكأس؟ قد تراودنا هذه الأسئلة إلى الآن، لكن إذا كانت مسألة الخلود ملاذاً للإنسان بالغريزة فمن الطبيعي أن يتمكن الخوف من الموت عليَّ حينها.

لكن حينَ يصل المرءُ المؤمن بالوعي لمرحلةِ الإدراك قد يتعامل مع الموت بشكلٍ آخر.

الموت هو “الانتقالُ” إلى عالمٍ آخر؛ حيث البقاء السرمدي حيث “الخلود”، هو المصير، هو الرجوع لِأصلِ النفخة الروحية الملائكيّة، هو الجسر حيث العدالةُ الكاملة، هو بوابة للبيان والوضوح، هُناك بعد برزخ الموت تجدُ الجواب لأصل وجودك، وتجد هناك حصاد أيامِك، غداً هناك تلتقي بمن سبقك فـ”غداً نلقى الأحبّة مُحَمَّداً وصحبه” (بلالُ بنُ رباح).

مرحلة الإدراك هنا هي عندما تصل لمرحلة التصالح مع الموت، والوعي الحقيقي بمعناه، التصالح معه حينَ لا تجعله شبحاً مطارداً لك، بل إنّ تذكُّر الموت بشكل صحيح يعين المرء على استثمار الحياة بشكلٍ أفضل، ويعينُ على استغلالِ محاسنها بحكمة، التصالح مع الموت وتذكّره يساهم في تجاوز التوافه من الأمور في الدنيا، ويعزّز من الصفح والتسامح مع الآخرين؛ لأنه مصير الجميع، بين الحياةِ والمماتِ اعمل على ما ستلقى الله به وعلى سنّة خيرٍ يَذكُرُكَ الناس عليها من بعدك، وعلى استغلال حياتك بسعادةٍ ونِتاج، فالموت الحقيقي هو أن “تعيش” بلا هدف ولا نتاج ولا نجاح، والموت المؤلم هو أن “تعيش” بعيداً عن روحانية مناجاة الله والأنس بقربه.

أحياناً يخطِئُ بعض التربويين والوعّاظ في طرح أطروحات الموت لطلبتهم أو متابِعيهم، فيكتفي بعضهم خَطَأً بالاتكاء على شَيْءٍ من الترهيب، وأن للموتِ سكرات ولعذاب القبر لحظات، بل قد تكثر وتنتشر أطروحات الموت “المُرهب” أكثر من غيرها من مواد الوعظ، سكرةُ الموت هُنَا قد تكون مثل النوم أو الغيبوبة كم يرجّح بعض المفكرين، بل إن بحثت في الإرث الديني ستقرأ أن روح المؤمن تُسلُّ كما تُسلُّ القطرةُ من فمِ القِربة، والشاهد في الأمر هو التيسير الرباني والرحمةُ الإلهية.

لِتَعِش قَبْلَ أن تموت، ولتستلذ بتحقيقِ مساعٍ ساميةٍ لك، وقَبْلَ أن تدعو الجليل بحسن الخاتمة، ادعُه بحسن الحياة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top