كي نستعيدَ فرحة رمضان

“أهو جه يا ولاد، وحوي يا وحوي، مرحب شهر الصوم، رمضان جانا..”.

هناك وسط الأزقّة القديمة ترتفعُ أصوات الأغاني الرمضانية من داخلِ تلك البيوت العتيقة، أصواتٌ بنكهةِ العرقسوس والتمر الهنديّ، أصواتٌ برائحةِ عبق البخور الذي يبثُ الراحة، أصواتٌ بطعم ارتواء الماءِ البارد من القُلّة الفخارية مع أذان المغرب، يقتنصُ الأطفال الفرحة بفوانيس ورقية تعلق على واجهات البيوت، وأقتنص أنا الفرحة بفانوس يهديني إيّاه أبي كل عام.

على رأس مائدة صغيرة يجلس أبي نلتف حوله متعطشين لرشفة ماء، أُذن تنتظر “مدفع الإفطاااار اضرب” والأذن الأخرى تستمتع بـ”أبو كف رقيق وصغير” بكار ورشيدة، تتدفق شهوة الطعام والشراب لتلتهم عقولنا، نتشارك الضحك والأحاديث، تلك الأحاديث التي اندثرت في جعبة الجدران حتى عتّها الزمن، كانت الهموم تذوبُ بركعتين خلف أبي، برجاءٍ ألتمسه في قراءةِ كتابِ الله، بغذاءٍ روحيّ خلفَ إمام مسجد في صلاةِ التراويح، كانت البهجة البسيطة الحقيقية هي الاستفاقة على دقات طبل المسحراتيّ ينادي أسماءنا، بهجة في حل فوازير شيريهان، بهجة في أحاديث الشيخ الشعراوي وقصص الأنبياء قبل موعد الإفطار، بحكايات شهر زاد والثناء على الملك السعيد ذِي الرأيّ الرشيد، ربما كانت مظاهر السعادة قليلة لكنها كانت حقيقية.

ماذا الآن؟

باتت لا تخلو مائدة من مقعد خالٍ لعزيز فقدناه، يهز رنين صوته المسامعَ وسط الهدوء وفي الزحام، ولكن صوته عالق في الذاكرة.. في الذاكرة فقط، غائِب الجسد حاضر الروح، قلّت الجرعة الدينية بعد مطاردة الفن الهابط لها، عمّ الصخب وازدادت المباني حتى اختفى المسحراتيّ، تشتت أفراد مائدة جمعهم طبق واحد، طُويت الأحاديث وتأرجحت مع رياح الزمن، متى فقدنا لذة الشعور بفرحة رمضان؟

العمر هو العمر، والزمن هو الزمن، ما الذي تغيَّر؟ هل أصبحت لذة الشعور تقاس بالعمر الذي عاشه الإنسان سعيداً في أيام مضت؟ أم أن غصّة الفقد لما سلبته منّا الحياة من أُناس وأحلام جعلت قلوبنا خاوية كالبيوت المهجورة؟ أم أن بيننا أناساً يغتالون فرحتنا فشغلوا أنفسهم وشغلونا حتى كثرت الشياطين التي لم تصفَّد حولنا؟

لكل منا أسبابه وتداعياتُه، ولكن ما أعلمه جيداً أن عقارب الزمن ستَأبى أن تعود إلى الوراء، علينا الاّ نقف مكبّلين الأيدي أمام فرصة لا تتاح كل عام إلا مرة واحدة، علينا أن نخلق الفرح من جديد، أن نستعيد لمّ الشمل ونستعيد أجواء الفرح، فرح بطاعة الله وترك الآثام والسيئات والتوبة الصادقة من جميع الذنوب، نحتاج حقاً لصناعة الفرح، والترابط الحقيقي.

أن نعود إلى شيمنا الأصيلة التي طالما بعثت فينا الأمل ومنحناها لآخرين، فرح يجعلنا نقاوم ونتفاءل بالقادم مهما كان غامضاً، علينا أن نحارب كلّ سلبيّة ملوثة تلوث أيام الفرح والطاعة التي ننسجها من جديد، نحاول أن نعود كما كنا في زمن ليس ببعيد، أكثر محبة ووفاءً وترابطاً وصدقاً وعطاءً، علينا أن نعاود البحث عن كل ما هو جميل في دواخلنا؛ لنستعيد فرحة رمضان بزيّ أقوى من زيّ الماضي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبّر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top