إلى شركات إنتاج الدراما العربية، إن كنتم تنتجون ما يطلبه الجمهور فأنا منهم، أسألكم وأطالبكم:
أكثر من مائة عام على بداية الإنتاج السينمائي ومن ثَم الدرامي في عالمنا العربي، مدة زمنية كفيلة بنقل هذه الصناعة إلى مكان متقدم ينافس في الإقليم والعالم، خلال السنوات الماضية قدمتم أعمالاً تستحق الثناء والإطراء وأُخر كثيرة مرّت مرور الكرام وملأت الهواء، وبدل أن يبنى على النجاح لتتطور لتعكس مشاكلنا وأفراحنا وأحزاننا وما نطلب، باتت الدراما في وادٍ والمشاهد في وادٍ آخر ومن هنا أسأل:
أين؟
أين المسلسلات التاريخية التي تتحدث عن عظماء العرب الذين تربعوا على أنصع صفحات كتب التاريخ وأبهاها؟ أين الأعمال الدرامية لا الوثائقية التي تتحدث عن عدلهم وإنجازاتهم؟ كيف خاضوا غمار التغيير ومشقات البناء والعمل؟ أين هي لتبث روح الأمل في الشباب والعزم على التغيير نحو الأفضل وتعزز انتماءهم إلى أمة حاضرها بعيد كل البعد عن ماضيها؟ فهذا النوع من الدراما يترك أثراً إيجابياً لدى المشاهد فضلاً عن أنها تقدم العبر والمواعظ وتجعل العربي يتباهى بتاريخه ويفتخر، وهي بحد ذاتها قوة جذب تستحوذ على اهتمام الناس حتى في الإعادات.
أين الأعمال الوطنية التي ترسخ قيم المواطنة وتنقل هموم الوطن ومشاكله التي تهدد وجوده؟! حتى يكون العربي متأهباً لأي طارئ قد يحصل، فكثير من المتابعين والمراقبين أكدوا أن الشعب التركي لم يهزم الانقلاب لولا الوعي الذي ساهمت فيه الدراما التركية بذكاء منتجيها وكتابها في نشر خطر التنظيم الموازي والخطط التي تحاك حول تركيا بين أبناء الشعب التركي.
لماذا؟
أنتم من جلب المسلسلات التركية والمكسيكية والهندية وساهم في غزوها حتى بات العربي مدمناً عليها ويتابعها أولاً بأول على يوتيوب ويشاهدها في نفس يوم عرضها في بلد منشئها! أنتم من عرّب الأعمال الغربية الناجحة وأعدتم تمثيلها بوجوه عربية وتركيبات غريبة! كمسلسلات: روبي، الأخوة، طريقي، غراند أوتيل، لعبة الموت، العراب، العراف، اسم مؤقت، تشيللو ونص يوم.
ألا توجد في مكتبات عالمنا العربي روايات تستحق هذا المجهود الجلل والبذخ المالي حتى تعتمدوا على روايات وأعمال أجنبية لاقت نجاحها وانتشرت بما فيه الكفاية! بإمكان أي شخص البحث عنها في مواقع التواصل ومتابعتها بنسخها الأصلية ولغتها الأم فلماذا تعتمدون سياسة استيراد الثقافة والفن؟ ففي أرشيف الروايات العربية نصوص وملاحم لاقت نجاحاً باهراً بين القارئ العربي وفازت بجوائز عربية وعالمية، وأنشئت جوائز عربية حديثة تشجع وتقدر الروائيين العرب المبدعين للمضي قدماً نحو آفاق أرحب للإبداع والتميز كجائزة “كتارا للرواية العربية”، والجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر” خصوصاً أن قسماً من جوائزها يعود إلى الروايات القابلة للتحويل إلى أعمال درامية فأين هي من اهتماماتكم؟ فلتتعلموا من نجاح مسلسل أفراح القبة المقتبس عن رواية الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ.
ماذا؟
ماذا قدمت الأعمال الشامية التي يشبه بعضها بعضاً في المضمون والأزياء والحوارات والديكورات؟ صحيح أنها محبوبة من قِبل الصغار والكبار لكنها لا تعكس قصص المرحلة الزمنية التي اقتبست منها هذه الأعمال وشهرتها محدودة في بعض الأعمال فكفى إنتاجاً لها حتى تتقدم في المضمون.
ماذا قدمت الأعمال المشتركة غير الغرابة في تركيب العلاقات بين الشخصيات كأن يكون الأب سورياً والأم لبنانية والابن مصرياً والبنت تونسية والقصة مقتبسة عن أعمال أجنبية كما أسلفت.
أنا مع الأعمال المشتركة ولكن الواقعية التي تشبهنا، ماذا استفدتم من ترجمة الأعمال غير الربح الوفير والنسخ والتقليد في الأزياء والديكور وتشجيع السياحة إلى الخارج؟ ماذا استفدتم من إعادة تمثيل مسلسلات لاقت نجاحها في الماضي كمسلسل: أسعد الوراق وعشرة عبيد صغار؟
نريد مسلسلاً يحكي قضية واقعية يدور في فلكها قصص حب وخيانة ينشر قيم ومواعظ بحوار شيق وممتع يساهم في أن يصبح عظماؤنا مثلاً أعلى عند أطفالنا وشبابنا كما بات أرطغرل ورفاقه محبوبي العرب، ويعطي فرصاً للروائيين العرب.
فيا شركات الإنتاج العربية عموماً والخليجية خصوصاً تملكون الأموال وأبواب المكتبات العربية مفتوحة أمامكم، انكبّوا على تقديم الممتع والمفيد وساهموا في تقدم الدراما العربية، وليس عيباً أن نتعلم من نجاح الدراما التركية والهندية والمكسيكية، ونعرف مكامن النجاح الذي حققته، فنجاحها ليس بالأزياء والديكورات والشكليات بل بقوة القصة وواقعيتها، حبكة الحوار، فهم السوق وما يريد والباقي من عناصر قوة العمل المساهم في انتشار العمل وترسيخ حضوره.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.