بضغطة زر بسيطة نكون قد فتحنا الباب على مصراعَيه لمهرجان ضخم من الأصوات والألوان والأضواء، مهرجان فني يجذب الأنظار ويصم الآذان عن كل شيء، ويجعل الانتباه كله لعالم افتراضي مصنوع بإتقان.
إنها تلك الشاشة العجيبة التي رهنت اهتمامنا وسلبت أوقاتاً ثمينة للصغار والكبار، تلك الشاشات العجيبة لهواتفنا وألواحنا الإلكترونية قد دخلت بيوتنا فاحتلتها بلا سلاح، ولا طلقة رصاص واحدة، أصابت في مقتل أثمنَ ما نملك في حياتنا ألا وهي أعمارنا.
لقد استبدلنا لحظات جميلة، نجتمع خلالها حول مائدة واحدة تجمع الصغار والكبار، نتبادل خلالها أطراف الحديث ونستمتع بسماع دقات أعمارنا تتتابع ببطء شديد.
منا من ينهل من صفحات الكتب ويغوص في ثنايا الحروف والخطوط، ومنا من يفرغ إلهامه وموهبته في رسم لوحات فنية أو صناعة تحف رائعة، هذا كله قبل أن يأتي عصر الشاشة.. تلك الساحرة الفاتنة، فتنت عقولنا وأسرت اهتماماتنا وجعلتنا رهائن لها لا نملك من إرادتنا سوى اختيار ما تعرضه علينا.
صارت الهواتف الذكية سيدة أوقاتنا وملكة قلوبنا، ننحني لها كلما أتت أمام أعيننا، ننصاع لها وننغمس في ثنايا دروبها وننسى العالم من حولنا كلما تبادلنا النظرات، كأنها الحسناء التي أسرت القلوب ولا نملك أمام طلّتها البهية غير السمع والطاعة وأفواهنا فاغرة أمام حسنها وجمالها.
لقد دلفنا عصر التكنولوجيا الحديثة نأمل خلاله أن تتجذر فينا فضائل المساواة والعدل وحقوق الإنسان. دخلنا هذا العصر نتوخى تسخير تقنيات التواصل الإلكتروني؛ كي نستطيع نثر قيم الإنسانية الفاضلة بين ربوع العالم، لكن الواقع أننا صرنا عبيداً للشاشة باختيارنا، لقد صنعنا منها ديكتاتوراً مستبداً يستعبدنا ولا نملك من أمرنا غير الخضوع له خانعين منكسرين أمام أضوائها وألوانها، أوقاتنا كلها فداء لها.
ألم نهب علاقاتنا الأسرية قرباناً للصنم الجديد الذي صنعناه بأيدينا؟ أليست الشاشة غولاً سيئاً سلب من الآباء أبناءهم، فلا يكلم الصغار آباءهم إلا لماماً. الآباء كذلك لم يعودوا يأبهون للحديث مع صغارهم فهم أيضا رضخوا لهواتفهم.
بدأت الشاشات تفرض قوانينها علينا فحتى المقاهي الصاخبة صارت صامتة، تعج بأناس لم يعد يكلم بعضهم بعضاً، بل صاروا عبيداً لشاشاتهم حانين رؤوسهم لها، يجتمعون على كأس شاي أملاً أن يتبادلوا أطراف الحديث فصاروا يجتمعون حول طاولات المقاهي ليجددوا ولاءهم لسلطة الشاشات، فتجدهم يمسكون هواتفهم يقلبونها طولاً وعرضاً دون أن ينبسوا ببنت شفة.
الأطباء بدأوا يدقون ناقوس الخطر إلى أمراض جديدة جلبتها لنا هذه الشاشات المخيفة، لقد صارت نسبة الأطفال في المدارس الحاملين للنظارات الطبية أكثر من المعتاد، صرنا نسمع عن أمراض نفسية سببها الهواتف واللوحات الإلكترونية، لكن أكثر الأعراض المتفشية تبقى إصابات الرقبة والظهر بسبب كثرة الانحناء لمتابعة الشاشات.
لقد حان الوقت لمقاومة هذا الاحتلال الجديد، والانتباه إلى خطورته على نظامنا الإنساني وعلاقاتنا الطبيعية. لقد حان وقت الاهتمام بخطورة هذه المسألة والتفكير في ضبط العلاقة التي تربطنا بالشاشات الإلكترونية. فلنغيّر قوانين اللعبة، ولنكُن أسياد هواتفنا لا عبيدها قبل فوات الأوان.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.