وهو لم يعرفه قط

زاغت عيناه أمام ذكرياته ليعرف كيف كانت علاقة كل منهما بالآخر، بداية معرفته به كانت في شهادة الميلاد الخاصة به في خانة “الأب”، كان بالنسبة له مجرد “لقب”، لكنه لم يعرف ما هي الوظائف الحقيقية له في صغره، لكنه يعلم الآن ربما بعض المعرفة؛ لذا يحاول ترتيب أوراق ذاكرته، قبل أن يأخذ نفس اللقب في حياة شخص آخر.

أخذ نفساً عميقاً قبل الغوص في تلك الذكريات التي قد تُسبب له اختناقاً في وقت ما، وتسارعت دقات قلبه كأنها دقات طبول تُعلن الحرب.

بدأت ذكرياته تتداعى أمامه ليتذكر أول إحساس بالرفض، حينما ركض تجاه والده مذعوراً من حلم مزعج، يتوقع حُضناً مفتوحاً يتسع خوفه ويشعر فيه بالأمان، لكنه وجد يداً قوية تُعيده إلى سريره بكلمات حادة لم يفهم منها الكثير وقتها!

تذكر فرحته بتفوقه وعودته مُسرعاً إلى المنزل حاملاً شهادته يتراقص ما حصل عليه من درجات أمام عينيه؛ ليجد ردة فعل باردة تُطفئ حماسته، وينغرس في داخله مُعتقداً أنه لا قيمة له ولا شيء مُميز به على الإطلاق!

تَذكر مراهقته عندما بدأت، وبدأت معها معاناته؛ فقد أدرك أنه لا تربطه علاقة بهذا الرجل الذي يسكن معه تحت نفس السقف “لعله كان الشيء الوحيد المُشترك بينهما”.

لم يعلم أسباباً لهذا البُعد والجفاء، ولكنه علم أنه لن يكون له رفيق في تلك المرحلة، شخص يُخبره بتلك الشعيرات التي تنبت في أنحاء جسده، ولا تلك الحركة التي يشعر بها في جسده مع متعة مصاحبة. هل به شيء خاطئ مختلف عن الآخرين عليه الرجوع عنه أو تقديم التوبة لأجله؟! أم أنه شيء طبيعي يحدث للجميع في تلك المرحلة العُمرية؟! لا يعلم، وعَرف أن عليه اكتشاف نَفسه بنفسه، لا مساعدة أو مَعِية في تلك المعرفة!

تداعت ذكريات جامعته أمام عينيه، وما حمله داخله من خِزي لا يعرف مصدره، خِزي من جسده، من أفكاره، من طريقة حديثه، لديه شك في كل قدراته حتى قدرته على التفوق، وإن كانت درجاته تُثبت عكس شعوره، ولكن الغلبة والصوت الأعلى لتلك الأفكار الداخلية العالية الأصوات!

تنقل بين السنين حتى إنهاء دراسته وبداية حياته العملية التي حملت له المزيد من التحديات، في أداء العمل وعلاقته بزملاء العمل ومرؤوسيه، وصراعه مع تلك الأصوات الداخلية التي تُثبط دائماً من عزيمته وتُشكك في قدراته وتُخبره على الدوام أنه لا يصلح لشيء!

والحديث الأكثر الذي يذبحه بسكين بارد، هو حديث زملائه عن علاقتهم الوطيدة بوالدهم، وكيف أن العلاقة بينهم كانت كعلاقة الأصدقاء أكثر من كونها علاقة الآباء بأبنائهم، وهنا انفتحت عيناه على ذلك المعنى لكلمة “أب” التي طالما فتش عنه في كل المحيطين، في عيونهم وحديثهم وطرق تعاملاتهم.

وابتلعته حالة من الاكتئاب الشديد، ودخل في دوامة نفسه وأدرك ما حدث بأيامه ومراحله العُمرية، وكأن وعيه أصبح في ضوء شمس دائمة لا تغيب، يرى فيها كل ثغرات وجروح نفسه، وأدرك أن نزيف كل تلك السنوات ما زال دامياً بداخله، وعليه أن يسير مع نفسه وبنفسه رحلة شفاء لكل تلك الجروح، وعلم أنه المريض والجراح في آن واحد.

علم أنه سيكون ملاصقاً لأبيه للأبد، فحروف اسمه تتبع حروفه.. وتلك هي كل ما بينهما من معرفة، المعرفة غير العارفة لشيء!

وانتبه على يد تُربت على كتفه تخبره بأن مراسم العزاء قد انتهت، وأن عليه الذهاب إلى منزله.

لم يذكر منها شيئاً ولم يرَ وجوه المحيطين، ولم يشعر بفقد والده، فهو لم يعرف حضوره حتى يُدرك معنى غيابه، ومضى بالفعل ويده تحمل محاولات إنهاء حياته التي لم يعِشها إلى الآن!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top