القوالب النمطية عن الرجال والنساء في المنطقة العربية: هل نستطيع تحطيمها؟

دوماً ما نسمع أن نقطة البداية في حل أي مشكلة هي الاعتراف بوجودها، بمواجهة أنفسنا من خلال النظر إلى المرآة التي نظل نتحاشاها كي لا نرى الحقيقة. فالمواجهة يتبعها بالضرورة الاكتشاف، التساؤل، إعادة التفكير، ومن ثَم الحل.

فلمَ لا نواجه أنفسنا ونعترف بالقوالب النمطية التي نظل نردد أننا لا نؤمن بها ونرفضها، بينما نحن نمارس طقوسها كل يوم؟ خبراتنا السابقة، التعليم، الخطاب الإعلامي، التنشئة.. تتعدد قائمة الأسباب ويظل السؤال قائماً: كيف نستوعب الآخر “كإنسان”، رجلاً كان أم امرأة؟

فالتصنيف على أساس النوع الاجتماعي يقدم طرحاً لآلية تشكّل مفهوم العلاقات والهويات والأدوار وأنماط السلوك بين الرجال والنساء في المجتمع.

وفق هذا المفهوم، تقوم العديد من العوامل الاجتماعية بتحديد سلوك الأفراد على أساس النوع. كما ينطلق مفهوم النوع الاجتماعي من واقع مفاده أن الأدوار الاجتماعية للنساء والرجال ترتكز على توقعّات مجتمعية مسبقة.

من هنا تصبح علاقات القوى بين النساء والرجال بمثابة المنظور أو الباراديغم الأساسي في مفهوم النوع الاجتماعي انطلاقاً من القدرة التفسيرية لوقائع اجتماعية خاصة بالنساء كالتمييز وعدم المساواة في توزيع الأدوار الاجتماعية ومراكز السلطة والقرار ومثيلاتها من معوقات النهوض بأوضاع النساء وتحقيق المساواة في مختلف المجالات.

وبالتالي نستسلم لتلك القوالب لتشكل فهمنا لما حولنا وترسم عنا حدود تعاملنا مع الآخر، وتؤطرنا في هويات نمطية قد لا نقتنع بها بالضرورة.

نحن قررنا أن نواجه المرآة ونتحدى هذه القوالب، ولنقوم بذلك نحتاج إلى الحوار ومناقشة الامتيازات والاختلافات والصور النمطية عن مفهومنا عن بعضنا البعض.

لذا قامت هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع منظمة بروموندو بإطلاق الدراسة الدولية الأولى من نوعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حول الرجال والمساواة بين الجنسين. سألنا فيها ١٠٠٠٠ رجل وامرأة في لبنان ومصر وفلسطين والمغرب عن تلك القوالب النمطية، واجهناهم بأسئلة عن أمور شخصية تتعلق بمفهوم المساواة ودور المرأة اقتصادياً وسياسياً وقيادياً، وعن العنف الأسري وتربية الأبناء.

ما أسفرت عنه الدراسة كان متوقعاً أحياناً، وفي أحيان أخرى مثيراً للدهشة، فعلى سبيل المثال اكتشفنا هناك رجالاً يشعرون بالإنهاك والضغط بسبب تلك الصور النمطية التي تضعهم دوماً في قالب المسيطر، بالإضافة إلى تحديات الأوضاع الاقتصادية، وخاصة في مناطق النزاع، وهناك رجال لا يمارسون العنف ضد زوجاتهم بل ويتعرضون للعنف أحياناً، كما تعرفنا على رجال يشاركون في الأعمال المنزلية ويرغبون في الحصول على إجازة رعاية أطفال، كما وجدنا أن النساء أحياناً هُن من يعززن الصور النمطية وغير مؤمنات بقدراتهن أو قدرة المرأة عموماً على القيادة، قد يعود ذلك إلى أسباب تتعلق بالنظام الاجتماعي الذي يعمل على تأصيلها في العديد من المجتمعات العربية.

والأهم، أننا خرجنا من الدراسة بأن النساء والرجال بشر في المقام الأول بخلاف النوع البيولوجي، وأن كليهما ضحية تعريفات مسبقة عن الهوية أصبحوا هم أنفسهم يرددونها في بعض الأحيان، كان ذلك جلياً في إجاباتهم حول أدوار النساء، التي رأت الأغلبية من كلا الجنسين حصرها في الأدوار المنزلية التقليدية، في المقابل، ثمة مساحة نور؛ حيث اتفق أكثر من نصف الرجال الذين تم سؤالهم في الدراسة على أن النساء يجب أن يعملن خارج نطاق المنزل.

نعتبر هذه الدراسة أول حجر في المياه الراكدة، نلقيه كي نتخلص من التعريفات الضيقة للهوية الجندرية، لقد نجحنا في بدء نقاش حول موضوع لا يتم التطرق إليه في البلاد الأربعة محل الدراسة، الذكورة/الهوية الجندرية. لمسنا بأنفسنا خلال عقد الدراسة ما يمكن للأفراد فعله إن أوتوا فرصة الحديث، ليس كرجال وكنساء، بل كأفراد لهم رأي، واكتشفنا أنه ليس هناك تعريف موحد متفق عليه للهوية، بل بالأحرى اتفاق على مفهوم الإنسانية.

ولكن الأمل كان وسيظل موجوداً، فقد وجدنا رجالاً يتحدون تلك القوالب النمطية كل يوم، قادرين على التحدث عن المشكلة ومواجهتها، فكلما وجدنا حالة عنف ضد النساء وجدنا قصصاً عن رجال يشاركون في تربية الأطفال، كلما واجهنا حالات لرجال يجبرون بناتهم على الزواج دون إرادتهن وجدنا رجالاً آخرين يشجعون بناتهم على الدراسة والعمل ويعتبرون عمل زوجاتهم مساوياً في القيمة الاجتماعية لعملهم، في هذا التنوع وجدنا الأمل..

هل نستطيع حقاً التخلص من القوالب النمطية عن الرجال والنساء في المنطقة العربية؟ نعم نستطيع. فكما مواجهة المرآة هي الخطوة الأصعب، بدء النقاش من خلال هذه الدراسة كان تلك الخطوة الأصعب، والآن سوف نمضي قدماً فيها، سنستمر في إعطاء النساء والرجال المساحة للبوح وتحدي القوالب النمطية التي قيدت أدوارهم في المجتمع؛ لأن التخلص منها يعني بالضرورة تحقيق المساواة حقاً بين الجنسين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top