“أصل الحياة”
ما زالت الأسرة هي نواة المجتمع، وهي أصل الإنسان، وفيها تبنى شخصيته وتوجهاته وقيمه، وفيها تُرسى أسس السواء واللاسواء والصحة النفسية أو الاضطراب النفسي، وبمقدار صحتها واقتدارها وتمكنها ستتمكن من تنشئة أجيال معافاة ومتمكنة وفاعلة اجتماعياً وحياتياً.
“فى مواجهة الخطر”
وهناك تحديات كثيرة ومخاطر شتى تتربص بالأسرة وسلامتها النفسية والاجتماعية، ولعل أولها وأهمها هو ما يعرف بهوس الاستهلاك، هنا يوظف الإعلام في خدمة الإعلان، ويوظف الإعلان لخلق حاجات متزايدة للاستهلاك تتجاوز مسألة الاحتياجات الأساسية، وتحول الاستهلاك إلى موضة وضرورة وهوية.
وبرزت شرائح محدثة النعمة تتبارى في الاستهلاك الذي يشكل لهم نوعاً من الهوية الذاتية “أنت ما تستهلكه”، وقيمتك تتحدد بمقدار فوزك في التنافس الاستهلاكي والقدرة على استعراضه.
وأصيب العديد من البشر باضطراب فرط الاستهلاك (اضطراب وسواس التسوق OSD)، ولكن ليس كل الشرائح الأسرية بقادرة على ولوج مباريات التنافس الاستهلاكي، هنا يحدث تفاوت كبير بين الرغبات الاستهلاكية وإمكانات إشباعها، مما يولد العديد من الصراعات داخل الأسرة التي تهدد تماسكها واستقرارها.
“تقييد الرجل وليس تحرير المرأة”
وأدى هذا إلى اندفاع الإباء في حلبات الصراع الاقتصادي؛ ليزيدوا من دخولهم ويواكبوا المتطلبات الأسرية المتزايدة، وأدى هذا إلى أن كثيراً من الأسر الآن تعيش مأساة حقيقية، ويعاني الأبناء الآن معاناة عاطفية في غياب الأب أو الأم أو كليهما عن المنزل، فالأب يعمل في وظيفة مرموقة، ويرجع إلى البيت متعباً ومنهكاً، والأم تشاركه العمل أو المعاناة أو التحدي أو الصراع.
ونقارن بين يوم العمل الأميركي أو المصري؛ حيث يضطر الموظف للخروج إلى محل عمله في الثامنة صباحاً على سبيل المثال، ولا يغادره إلا حوالي الثالثة أو الرابعة، وعادة ما يستغرق حوالي الساعة والنصف في عملية الانتقال، وإذا أضفنا إلى ذلك تزايد التفاصيل، نجد أن يوم الإنسان في هذا العصر يبدد تماماً ويجرد من أي إيقاع إنساني، بل إنه يهدد الحياة الأسرية بأسرها بهذا الإيقاع السريع المزدحم المليء بالضغوط والمشكلات.
وعلى العكس من ذلك فإن الإيقاع البطيء للحياة يعني أن الأفراد لا يتحركون كثيراً، فالأب موجود والأم موجودة والأخوال والأعمام والأهل موجودون.
وهذا يخفف إلى حد كبير من عِبْء تنشئة الأطفال، فالأب موجود على مقربة من المنزل يمكن استدعاؤه إذا نشأت حاجة إلى ذلك، وفي حال غيابه فهناك الأقارب.
إذن ما هو مطلوب لإنقاذ الأسرة هو تقييد الرجل وليس تحرير المرأة، إن تقييد الرجل ينقذ حياته وينقذ أسرته وأبناءه.
“شبح كاروشي”
إن الرجال الذين يعملون لساعات عمل تصل إلى 60 ساعة أسبوعياً معرضون للموت بسبب الإفراط في العمل، تلك الحقيقة التي اكتشفها اليابانيون وأطلقوا عليها مصطلحاً يابانياً هو “كاروشي”.
على مدى عقود، تصدرت عناوين الأخبار تقارير عن موظفين في شركات باليابان، كانوا يعيلون أسرهم، ويعرفون باسم “ذوي الياقات البيضاء” (أي الذين يؤدون الأعمال المكتبية)، قد ماتوا فجأة بسبب الإفراط في العمل، ولعل الدليل الأكثر أهمية هو القادم من وزارة الصحة اليابانية في عام 1987؛ حيث لاحظ المتخصصون أن مجموعة كبيرة من المديرين الأكثر نجاحاً لقوا حتفهم بشكل مفاجئ، واحداً تلو الآخر.
وبحسب تقرير أعدته وزارة العمل اليابانية، ارتفع عدد ضحايا “كاروشي” عام 2015، ليحقق رقماً قياسياً قدره 2000 و310، ولكن قد تكون هذه الأعداد غيضاً من فيض، فبحسب المجلس الوطني للدفاع عن ضحايا ظاهرة “كاروشي”، ربما يصل العدد الفعلي لضحايا هذه الظاهرة إلى 10 آلاف ضحية، أي نفس عدد ضحايا حوادث الطرق كل عام تقريباً.
“الوعي والتحكم في إيقاع الحياة”
إن هناك حاجة ماسة لدى الرجال للسيطرة على حياتهم وإبطاء إيقاعها المتسارع اللاإنساني وإدارتها إدارة صحيحة وإعطاء أوقات كافية لمتطلبات الأسرة والأبناء العاطفية والنفسية والوجدانية. والنظر إلى هذه الاحتياجات على أنها ذات أهمية قصوى ربما تزيد عن أهمية الاحتياجات المادية.
كما أن هناك حاجة ماسة للأسرة للتخلي عن النمط الاستهلاكي في كثير من المجتمعات وإلى الإقلال من المصروفات، وبالتالي توفير أوقات من العمل الشاق واستبدالها بالاجتماع الأسري والجلسات الدافئة والحوار وممارسة الرياضة أو القراءة.
كل هذا هو إنقاذ فعلي للأسرة ومقوماتها ومكانتها وإنقاذ أيضاً لكثير من الآباء والأمهات الناجحين من أن يلتهمهم شبح “الكاروشي”.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.