كانت السفينة عائدة إلى ميناء (ولستون) النائم على ضفة نهر (اتشين) جنوب بريطانيا، تبحر بحذر وهي تعبر النهر، تعاني من صلف الرياح ومن تيارات مائية جارفة ومتغيرة.
قيل إن مصدرها تيار دافئ قادم من خليج المكسيك، حال دون تحول الجزيرة البريطانية بأكملها إلى كتلة من الثلج.
في الممرات المائية المزدحمة كهذا المكان كان ولا يزال تجاهل المؤثرات الطبيعية المسبب الأول لغرق وتحطم العديد من السفن، على الرغم من التطور غير المسبوق في أجهزة الملاحة.
كان الجو آنذاك رمادياً كئيباً تحتجب فيه الأشياء وتظهر تبعاً لكثافة الضباب، لكنه لم يحجب الشوق عن قلوب بحارة باتت فرحة العودة متوسعة في صدورهم، إثر غياب طويل محفوف بالمخاطر دام أكثر من شهر.
عدنا في يوم من أيام الله ألا وهو يوم (عرفة) الناس فيه يكبرون ويهللون مع صوت أذان المغرب الذي انطلق عبر مكبرات الصوت الخارجية للسفينة: الله أكبر.. الله أكبر.. فامتلأت الأعين بالدموع، دموع العيد، سرى صوت هذا النداء ليصل صداه إلى جنبات هذا النهر المزدحم بمنازل متراصة، أسقفها من القرميد الأحمر، تنفث دخاناً من المدافئ يتلوى متصاعداً من بين أشجار قد نفضت أوراقها بعد أن أنهكها شتاء طويل.
أفطر الصائمون على عَجَل في مراكزهم على تمر وشربة ماء، وأنا أيضاً تناولت إفطاري وأنا جالس على كرسي (الكابتن) في برج القيادة أمام الأضواء الحمراء الباهتة، أراقب وأستمع إلى كل ما يصدر من تقارير وأوامر بين المواقع، لا أتدخل إلا معقباً أو مصححاً لإجراء.
الشعور بالوحدة يلازم كل (كابتن) والسبب تفرده بالمسؤولية، فيمضي الوقت ببطء وقد لفت أذني أزيز المحركات، وتكتكات العدادات، وطنين الأجهزة، وقرع الأجراس التي تنبه أكثر مما تخيف!
وفي تلك الأثناء فجأة نط أحد البحارة مثل الزنبرك منادياً: هناك رجل رمى بنفسه من فوق الجسر الذي أمامنا يا كابتن؟ فأمسكت بالناظور أحدق في الجسر الشاهق الذي يربط بين ضفتي النهر، محاولاً التحقق من رؤيته، فلم أرَ سوى خيال لسواد يطفو فوق سطح الماء بسبب الرؤية المتدنية.
لقد اختار هذا الرجل التوقيت بعناية فائقة في اللحظة التي يصل فيه الجزر إلى الحد الأدنى؛ لتبرز الصخور التي في حافة النهر ليهوي بنفسه فوقها.
فاتصلت بمرشد الميناء على الفور بعد أن التقطت أنفاسي من هول المشهد، فجاء رده مفاجئاً وغير مكترث وكأنه يرد على مكالمة روتينية: لا تقلق سيدي تركيبة العالم لن تتفكك! هذا هو الضحية رقم 32!
أسكتني كمن يسكت ساعة منبه، لمعت أنوار الميناء وانحرفت السفينة باتجاه الرصيف الذي انكشف أمامنا وظهرت مجموعة من العوائل السعوديين على جانب من الرصيف في انتظار ذويهم، بينما وقفت خلفهم فتيات إنكليزيات، يلوحن بأيديهن تجاهنا قاصدات بحارة شباباً من ذوي الشعور المخضبة بالجيل، لكن الحياء من عيون الآخرين منع هؤلاء من رد التحايا.. فلا غرو فمن على ظهر هذه السفينة هم من طينة البشر، يمثلون شرائح مختلفة من واقع المجتمع.
أما على الجانب الآخر من الرصيف، وقف محتجون يهتفون ضدنا ويحملون لافتات مكتوباً عليها: أيها السعوديون أوقفوا هذا الصراخ وعودوا إلى بلدكم.. اتصلت على ممثلنا السيد (تيري) فقال: كابتن يبدو أن لدينا مشكلة، هؤلاء المحتجون هم سكان الحي القريب من مكان رسو السفينة غاضبون من الإزعاج الذي يصدره صوت الأذان من السفينة، وهي راسية في الميناء، خصوصاً أذان الفجر يوم الأحد!
يبدو أن الأمر أصبح لا يطاق؛ لذلك هناك نائب في البرلمان يتقدمهم ويريد مقابلتك حالما ترسو السفينة.. رست السفينة بعد أن استقرت الحبال حول رقاب الدعامات المثبتة في الرصيف، ثم أقبل تيري يمشي مسرعاً بقامته الطويلة ممسكاً بربطة عنقه؛ لكي لا يفقد أناقته أثناء المشي، فاستقبلته وهو يلهث قليلاً وأخذته إلى مكتبي، فجلس أمامي واضعاً ذراعيه على ركبتيه، وهو ينحني إلى الأمام، وقال وهو يلتقط أنفاسه: حسناً.. النائب في طريقه إلينا.. وما هي إلا لحظات ثم دخل علينا رجل إنكليزي صرف قصير مكتنز ناتئ العينين، له شدقان منتفخان، قريب الشبه من ونستون تشرشل.
لم يكن متعالياً أو مغروراً، بل صافحني وقال: أنا النائب (مالكوم سواير) من الممكن أن تناديني (مالكوم)، إشارة منه إلى أنني هنا في مهمة ولا داعي لإضاعة الوقت بذكر الألقاب، ثم جلس وهو متجهم، ثم نطق بتأفف: أيها السادة، اسمحوا لي بسؤال: متى سيتم إيقاف هذا الصوت؟ تملصت أنا من الإجابة بغية البحث عن جواب مناسب، فرد عليه تيري قائلاً: للمعلومية هذا نداء لصلاة وليس مجرد صوت..
حسناً.. لا يهم.. امنع هذا الصوت وسمّه ما شئت يا تيري، قلت: اسمع يا مالكوم، قبل كل شيء أنت هنا الآن على ظهر سفينة عسكرية؛ لذلك تُعتبر على أرض سعودية طبقاً للقانون الدولي، أي أننا في داخل هذه السفينة نخضع للقوانين المحلية لبلدنا، ولنا الحق في ممارسة شعائرنا التعبدية كيفما نشاء، كما أن لكم الحق في قرع الأجراس يوم الأحد لو قامت سفينة بريطانية بالرسو في أحد الموانئ السعودية، أو حتى تناول الخمور داخل السفينة.
علماً بأن القوانين السعودية تمنع ذلك، فقاطعني رافعاً كفه في وجهي، وقال: شكرا جزيلاً.. لست بحاجة إلى سماع محاضرة في القانون الدولي.. فهمت هذا الشيء وأريد حلاً للمشكلة وأنتم.. ثم قاطعه تيري بحدة قائلاً: ومَن قال لك إننا لا نريد ذلك، هل تعتقد يا مالكوم أنه من اللائق أن تواجه هذه السفينة وطاقمها بلافتات معادية كالتي يرفعها ناخبوك! أنت تعلم أن القانون في هذا البلد يجرم شعارات الكراهية كتلك التي يرفعها هؤلاء الذين في الخارج.
وللمعلومية هذه السفينة لديها تصريح بالرسو هنا من قِبل السلطات العليا للبلدين، أي أنها خاضعة للأعراف والقوانين الدبلوماسية، وليس إلى أي سلطة أو حكومة محلية، ليكن في علمك بأن هؤلاء المحتجين قد اختاروا أسلوباً قد يقودهم إلى المساءلة القانونية.
شعرت بأن مالكوم قد انكمش وأصبح عارياً من أي سند قانوني في بلد القوانين فيه متجذرة في نفوس الناس وفي جميع مناحي الحياة.
أيضا تأكدت أن موقف تيري بدا مؤازراً لي، فتوجهت له بالسؤال: ما الحل المناسب برأيك يا مالكوم؟ لا أدري.. قالها وهو يحملق في الفضاء، مهمتي هنا المطالبة بحل وليس إيجاد حل.. وأنت يا تيري؟ كابتن للأمانة أنا أعلم بأنكم تقدمتم عدة مرات للشركة الصانعة، بطلب إمكانية حجب المكبرات الخارجية أثناء الأذان تلافياً للإزعاج، إلا أن الشركة رفضت الطلب بحجة أن هذا يعتبر تغييراً في التصميم ويتطلب موافقة من الجهات العليا لم يترتب على ذلك من تكاليف مادية.
قلت: إذن يا صديقي مالكوم، نحن مستعدون لإيقاف مكبرات الصوت الخارجية أثناء الأذان، ولكن عليك إقناع الشركة الصانعة بالموافقة على عمل هذا التغيير، أي أن خصمك هم الشركة، فعليك الاحتجاج لديهم، قال: تماماً.. أنا فهمت الأمر وسوف أقوم بالضغط على الشركة لعمل اللازم.
نهضت ثم نهض، وودعته بابتسامة عريضة ومصطنعة، ثم ناديت عليه بعد أن أبتعد عني عدة خطوات، وقلت ممالقاً بسخرية: لو رفضت الشركة أي طلب لي مستقبلاً فسوف أستعين بك يا مالكوم.. ضحك وهو يهز كتفيه ثم انصرف، ثم قلت لتيري: بإمكانك أن تبقى إذا أردت.
شكرت تيري على موقفه، وطلبت له ولي كابتشينو مع شيزكيك، تناولناها في جو ودي، خلا الرصيف من الناس بعد أن تفرقت الحشود، وغادر طاقم السفينة باستثناء المناوبين، ثم غادرت أنا وحيداً.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.