* * *
حاولت في رمضان المنقضي مشاركة آيتين يومياً عبر صفحتي بالفيسبوك، إحداها عن الله عز وجل، والأخرى عن خليفته في الأرض.. الإنسان.
كان الهدف ذاتياً في محاولة لفهم مَن هو الله ومَن هو الإنسان، وعرفاناً بأن كلام الله هو الحق، فكان من الأَولى أن تنطلق محاولات الفهم وبناء التصورات عن النفس وعن الخالق من ساحة بيانه، من القرآن الكريم.
تنتشر التصورات القاصرة عن الله عز وجل، ومبدأ ذلك من قياس صفات الله على صفات الإنسان، وأفعاله وردود فعله على أفعال وردود فعل الإنسان، الأمر الذي بدوره يثير التساؤل: مَن هو الإنسان؟! وما هي صفاته ودوافعها ومنشأها؟ وكأن الأمر يسير بشكل عكسي، فبدلاً من اللجوء للخالق لمعرفة صفاته بما أخبر هو عن نفسه، ثم بعد الإيمان به والتصديق له نلجأ إليه لمعرفة حقيقة أنفسنا، أراد البعض -أو الكثيرون- معرفة الله بالإنسان، ثم ساروا في دروب التيه يبحثون عن الإنسان فلا يجدون سبيلاً ولا دليلاً.
أما عن الله سبحانه، فمما تيسّر لي نقله في رمضان المنقضي أنه هو: الحق، نور السماوات والأرض، رب العالمين، عليم بذات الصدور، غني عنكم، اصطفى لنا الدين، اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، يريد الله بكم اليسر، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة، لا يهدي مَن يضل، يبين لكم ويهديكم ويتوب عليكم، سريع الحساب، أتاكم من كل ما سألتموه، له المشرق والمغرب، واسع عليم يريد أن يخفف عنكم، محيط بالكافرين، يعلم ما يسرون وما يعلنون، وصّى الإنسان بوالديه، غفور رحيم، شكور حليم، تواب حكيم، أخْذه أليم شديد، غني حميد، سميع بصير، قاهر، رحمن، قوي عزيز، أخبر عباده ألا يقنطوا من رحمته.
“إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم” والحمد لله رب العالمين، فلتقرأ صفاته تعالى مرة أخرى، ولتمرر كل حرف منها على قلبك.
* * *
* * *
أما عن الإنسان الخليفة، فمما أدهشني أن كل الصفات التي وردت وصفاً له كانت صفات سلبية! فهو يفرح برحمة الله وإن أصابته سيئة كفور، أكثر شيء جدلاً، خُلق ضعيفاً، ظلوم كفار، قتور “بخيل”، خُلق من عَجَل، ظلوم جهول، يؤوس قنوط، خصيم مبين “شديد الخصومة”، يريد ليفجرَ أمامه، هلوع جزوع “شديد الهلع والجزع”، يطغى، لربه لكنود، لفي خسر.
وما ذُكر من صفة إيجابية في حق الإنسان فمرد ذلك إلى الله عز وجل:
“خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، “علَّم الإنسان ما لم يعلم”.
* * *
* * *
كان ذلك أمراً مثيراً للتفكر، فهذا مخلوق صفاته “المجردة” صفات سلبية، لم يرد فيه مدح “لذاته”، هذا السرد كفيل بأن يحمل المتفكر على كراهية نفسه “الإنسان”، ومن العجيب أن هذا الكائن السلبي، تسجد له الملائكة طاعة لله -عز وجل- وتكريماً لخلقه! وأن لعنة الشيطان أتت من تكبره وتعاليه على هذا المخلوق واحتقاره لمنشئه، فكان العصيان فاللعن.
* * *
تعاهده وتتعهده.. تخرج من داخلك مهرولاً.. تستعيد زمامك في الظلمات.. تواصل الإبحار وعقلك منصب على المقصد الأعلى والأمجد.
* * *
غير أن العجب يزول عند معرفة كيف يرتقي الإنسان، فبداية رحلة الرقي كانت بالنفخ فيه من الروح “فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”، وبالعلم الذي علمه الله إياه “وعلم آدم الأسماء”، “قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون”.
* * *
يطمئنك.. يصرفك عن نفسه، يشير إلى الضياء: “اذهب وابحث”.
* * *
فبالروح التي هي من أمر الله وبالعلم الذي علمه الله إياه، يؤمن الإنسان ويهتدي ويكون عبداً لله، فيستحق الثناء والمديح كما أخبرنا الله في محكم آياته:
“قد أفلح المؤمنون”، “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً”، “نعم العبد إنه أواب”، “واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً”، “إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً وما كان من المشركين”، “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، “لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة”، “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”، “والله يحب التوابين ويحب المتطهرين”.
فالإنسان مجرّد لنفسه في خسران “إن الإنسان لفي خسر”، وباب نجاته في عبوديته لله وفعل الخيرات وتعاهده مع جماعة المؤمنين “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”.
ومن جميل الذكر في تعريف الإنسان لنفسه ما قاله عيسى ابن مريم -عليه السلام- في المهد: “قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً”.
يُعرف الله… بالله، كلماته إلينا هي الهدى والنجاة وما أخبره لهو الحق، شتات البحث عنه في غير ذلك مهلك؛ إما بسوء فهم أو بافتراض خاطئ لغياب العلم وإما بضلال أو عبث، خلقنا على فطرة تميز الخبيث من الطيب، وهدانا السبيل والنجدين، أعطانا الزاد والراحلة والدليل في سفرنا إليه، وكلنا آتيه يوم القيامة فرداً، والحمد لله رب العالمين.
* * *
في بحر مظلم تمضي وحدك، بل معك رفيق يسكنك.. تبحر بحثاً عن الضياء، عن نور السماوات والأرض.. تنهمك في الإبحار ومهامه فتنسى المقصد.. تسقط منهكاً صريعاً.. تهوى إلى داخلك، إلى رفيقك الذي لا تعلم كنهه.. تلقي السلام لتستكشفه فيصمت.
تبهرك طيبته وغباؤه.. تحادثه فيبدو محتضراً لا يكاد يبين.. تحتضنه إلى قلبك.. يشير إليك بطرفه، يشير إلى المقصد الذي نسيته.. وبصوت خفيض متألم يهمس: “أكمل سعيك وابحث عنه..”.
تعاهده وتتعهده.. تخرج من داخلك مهرولاً.. تستعيد زمامك في الظلمات.. تواصل الإبحار وعقلك منصب على المقصد الأعلى والأمجد.
تختلس سويعات لتطمئن على رفيقك الذي يحتضر منذ أن التقيته أول مرة.. يطمئنك.. يصرفك عن نفسه، يشير إلى الضياء: “اذهب وابحث”.
يطول عليك الأمد، تنهمك في الإبحار وتنسى المقصد.. ومرة أخرى منهكاً صريعاً.. تسقط.. بجوار رفيقك الأوحد.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.