30

بالأمس حين كنت طفلاً، كانت هيئة بلوغ الثلاثين عندي تتلخص في قميص كلاسيكي على بنطال من القماش وحذاء أسود، ربما يكون هناك شارب خفيف و شيب على الفودين مع جسدٍ متناسق، أقود سيارة فيات 132 أو ما يكافئها في القوة.

ووفقاً لهذه الصورة التخيلية، فقد فشلت تماماً في بلوغ الثلاثين.

كنت أعتقد أنني مع الثلاثين سأكون قد أنهيت دوري في الحياة، وسأكتفي بمراقبة ما أنجزته لما تبقى من عمري، لم أخطط لذلك بالطبع؛ لأن التخطيط ليس من مهاراتي أبداً، فقط كنت أؤمن أنه سيحدث، كنت أؤمن إيماناً كلياً أنني متى بلغت الثلاثين سأكون ممتلكاً لكل الإجابات، كل الإجابات فعلياً، لكن ما حدث أنني الآن في الثلاثين، وصدق أو لا تصدق، أنا أبعد ما أكون عما اعتقدته لسنوات.

كتب العزيز براء أشرف – رحمه الله – مقالاً قبل عامين عما يريده من العالم قبل بلوغ الثلاثين، قال فيه إن العالم بخيل جداً فيما يتعلق بالإجابات، حسناً، لا أشارك براء إلا في سؤال واحد، ماهية الخير والشر، أنا لا أعترف بالمناطق الرمادية في الخير والشر تحديداً، هذا الشخص إما خيّر أو شرير، إما مؤذ أو مسالم، لا تقنعني إجابات مغلفة في هذا الإطار، ويطاردني سؤال دائم لا أجد جوابه أبداً: لماذا خلق الله الشر؟

تفاجئني دائماً قدرة البشر على التعايش مع الشر، مهاراتهم في تغليف الأذى بألفاظ منمقة كالدهاء السياسي و”الصياعة” واحترافية العمل أو الغلاف الأبرز في إطار السُخرة العسكرية “عشان نعمل منك راجل”، ثلاثون عاماً وما زلت أتعجب كيف ينظر هؤلاء لأنفسهم في المرآة يومياً؟ كيف يمكن أن يتعامل بشري مع هذا الكم من الشر داخله دون أن يصاب بجلطة!

في عام 2004 كنت أعمل في واحدة من أكبر شركات طباعة الإعلانات، كان راتبي 300 جنيه مصري شهرياً، في البداية كنت سعيداً بعملي في مجال أحبه، مهاراتي تتطور، أخلق اسماً لنفسي في سوق العمل، بعض الوقت يمر، يزداد تسلط صاحب العمل، تصبح العشر ساعات التي كانت قبل عدة أشهر أسعد أوقات اليوم عبئاً لا يطاق، أتخذ قراري فوراً وأترك العمل لأبدأ من جديد في مكان آخر. مرت سنوات، طورت مهاراتي واكتسبت أخرى جديدة، إمكانية حصولي على فرص للعمل أفضل بكثير مما كنت عليه في 2004، أعمل في مجال أحبه، أخلق لنفسي اسماً في سوق عملٍ أوسع، بعض الوقت مر، صاحب العمل يتسلط، الثماني ساعات التي كانت أسعد أوقات اليوم صارت عبئاً لا يطاق، كل الظروف تتشابه مع البدايات، فقط أنا من تغير، لا أمتلك طاقة البدء من جديد، لا أمتلك طاقة مواجهة أي شيء، أرى محترفي الأذى يومياً و أنظر في وجوههم ولا أستطيع مواجهتهم بقبحهم، فقط لا أبتسم لهم.

حسناً، مع الثلاثين أنا – بشكل ما – أكثر جُبناً.

قبل تسع سنوات، بُعيد رحيل أمي، نشطت جداً على شبكات التواصل الاجتماعي، جل من أعرفهم الآن هما نتاج للسنوات التسع، تشعبت علاقاتي و عبرت حدوداً كثيرة، قائمة أصدقائي بلغت منتهاها على الفيسبوك، أستطيع أن أسمي مواقف حقيقية مع نصفهم على الأقل؛ لذا فهي ليست علاقات افتراضية بالكامل، غير أني لا أذكر أني كنت بمثل هذه الوحدة قبلاً، كنت دائماً أردد استعاذة النبي من الهم والحزن ومن العجز والكسل وقهر الرجال، لكني أبداً لم أكتشف أنها تجيء يؤانس واحدها الآخر.

لا أدري فيم استهلكت أكثر، في الثورة أم الهزيمة، في السعي خلف الكمال، أم في محاولة الهرب منه، أنا الآن توقفت عن الأسئلة، أشعر أنني كبرت على انتظار الإجابات، أنظر في عيني ابني وأنا أردد قول أمي لي: “ربنا يجعل أيامك أحسن من أيامنا”، أدرك تماماً أن الشر موجود، لا آبه للحكمة من وجوده، فقط أعرف أن قتاله فرض، وأعرف أيضاً أنني لن أنتصر أبداً.

الآن أنا كهلٌ في الثلاثين ولا أستطيع أن أخط مقالاً منتظم الفكرة، كل عامٍ وأنا بخير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top