– ماذا يعرف عنا المبدع؟
– كيف يرانا الفنان؟
– هل يسمع صوت شغفنا؟
في فترة المراهقة كنت مولعاً بصوت المطرب محمد فؤاد، ذلك الصوت الذي تغيرت نبرة صوتي لكي تتغنى بكلماته، وارتبط اسمي باسمه طيلة فترة الدراسة قبل الجامعية حتى لا يخلو مجلس إلا وطلب مني الغناء له، وتقليد تعبيرات وجهه التي كنت أتقنها.
وظل صوت محمد فؤاد يرافقني في لحظات الحب ولحظات الفراق، وكان صديقي الوحيد في لحظات الوجع، حتى إنني حين هجرتني حبيبتي ظللت حبيس محمد فؤاد لمدة شهر كامل، لا أتحدث لأحد غيره؛ ليردد لي كيف كانت “بسهولة كده”.
أتذكر أول حفلة حضرتها لمحمد فؤاد بالمعمورة صيف مطلع عام 2000، هذا الحلم الذي طالما حلمت به، وحققه لي أبي حينما أعطاني تذاكر الحفل لي ولأخي، وكأنني غارق في حلم جميل حتى أفيق على تحقيقه، وأقف أمامه وجهاً لوجه، بعدما تركت أخي ومن كان معي، وسبحت في بحر من البشر حتى اصطففت بجواره متخطياً الحرس، ولوهلة دار في ذهني الكثير والكثير من السيناريوهات التي أعددتها مسبقاً.
هل أجري فجأة وأقوم باحتضانه؟ هل أطلب منه الميكروفون لكي أعلن للجمهور مدى حبي له؟ هل أجلس أمامه جلسة القرفصاء تقديراً واحتراماً لعشقي له ولفنه الذي أمتعنا به سنوات وسنوات؟
ولم يلبث ذهني في الشرود إلا وقد تنبهت ليدي الممدودة له بالسلام حتى وقعت عيناه على يدي وكأنه لم يرَني من الأساس، وكأنني الريح، تركت مكاني أمامه، ذلك المكان الذي كان حلم الطفولة والمراهقة والشباب، وعدت إلى غرفتي لأتمتم بكلمات أغنية “خسارة”.
والآن بعد أن أتممت الثلاثين أصبحت على موعد جديد مع الولع، ولكن الآن ولعي أصبح بذلك الشاب الذي يكتب عن حياتنا، وكأنه يشاركنا فنجان قهوة حزيناً في شرفة منزلنا أثناء ولوج الشتاء، ذلك الشاعر الذي يعرف كل تفاصيل حياتنا، حتى أصبح الكاتب الشخصي لأدق تفاصيل حياتنا، فإذا اشتقت فمن الممكن أن تسمع “وحشتيني” تلك القصيدة التي كتبت لتعيش بين العاشقين الحالمين، هؤلاء الذين لا يشبعون من الحنين.
ما ذلك الإحساس الذي يصل بإنسان كي يصف تعلقه بإنسانة بتلك الكلمات ” وأنا والله في قيودك كطير من كتر ما تقيد طلع له جناح”، حتى يردف ويبدع في وصف بعده عنها: “أنا في البعد متحاوط بطيف ريحتك.. ولسه لحد هذا الوقت فاكر شكل تسريحتك.. وتنهيدك وشكل الساعة على إيدك”.
ذلك الشاعر الذي حدثنا عن الذكريات والحنين، وكتب عن الشتاء والبحر، وكيف أصبح كل منها صاحبنا الأنتيم؛ ليحدث الشتاء: “طب إيه يا عم الشتا طب إيه.. أنا تحت عيني اتهرى من كتر ما حنيت فكرت فيها ضحكت ضحكت فجأة بكيت”.
كيف يرانا هذا الشاعر الذي ننتظر موعد حفلته من العام للعام؟ كيف يعد للقائه بنا بعد أن أصبح هو الشريك الأساسي وقت الشتاء بعد أن أصبح حبيس سماعات الأذن التي تفصلنا عن عالم بغيض لا نريد أن نكون جزءاً من تفاصيله التي لا تعنينا في شيء؟
كثير من وجهات النظر قد تغيرت بعدما شاهدت لقاء لهذا الشاعر على الهواء مباشرة، وهو من هو بالنسبة للكثير من دراويشه، والذي أتشرف بأنني منهم، ورأيت شغفه وهو يتلقى اتصالاً من المطربة الكبيرة “أنغام”، التي لم تكن تعلم به من قبل حتى إن ظهر غلاف كتاب له يحمل اسمها، وفي متن قصائده شعر يمجد في فنها، وهنا أدركت حقيقة أننا جميعاً مقصرون في حق من يحبوننا.
أعلم جيداً حجم المضايقات التي من الممكن أن يتعرض لها الفنان أو الشخصية العامة؛ لأننا في مجتمع لا يحترم الخصوصية، ولا يعرف لها طريقاً، ولكنني أعلم أيضاً كيف يكون الحب للفن وللفنان، خاصة بعد أن أصبحنا مجتمعاً بلا قدوة، فكل منا يصنع قدوته التي يحذو حذوها، أو ينتهج نهجها، وهناك الكثير والكثير من قصص تعلق الجمهور بالفنان أو لاعب الكرة، فلن نستطيع أن ننسى قصة انتحار إحدى الفتيات بعد وفاة العندليب، ونتذكر جيداً قصة العشق لصوت أم كلثوم لهذا الرجل الخمسيني صاحب مقولة: “عظمة على عظمة يا ست”.
ولكن أكثر القصص التي أثرت بي كثيراً وجعلتني أبكي وأقدم على كتابة تلك المقالة هي قصة ذلك الشاب السوهاجي الذي عشق الشعر والمسرح، وحلم بأن يقتسم المسرح ذات ليلة مع الشاعر عمرو حسن، لكن القدر لم يمهله وتوفاه الله إثر حادث.
توفاه الله ومات معه ذلك الحلم مع أحلام أخرى كثيرة، ولكنه قد جهر بهذا الحلم لأحد أصدقائه المقربين منه، وبعد وفاته قام ذلك الصديق الوفي لحلم صديقه بمراسلة الشاعر عمرو حسن، وأفصح له عن حلم “ميسرة صبري” فما كان من الشاعر إلا الدعوة لحفل كبير في قلب الصعيد بسوهاج؛ ليذهب عائد الحفل لعمل خير باسم ميسرة ليحقق بذلك حلماً كان قد دفن مع صاحبه..
الفن قبل أن يكون باب رزق، فهو في الأساس رسالة سامية، يتعلق بها وبصاحبها كثير من الأنقياء الذين يمارسون الشغف بالفن والشعر والغناء، الذي يحمل رسالة حب، ويتعلق بالقلب فرفقاً بهم، ولا تجعلوا من فنكم مادة لكسب المال على حساب هؤلاء الأنقياء.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.