يصل رسول اللهِ إلى المسجدِ الأقصى، يربطُ البراقَ عندَ حائطٍ يُسمّى “حائط البراق” ويدخلُ من البابِ الأقرَبِ إلى هذا الحائط المبارك. تمر السنوات من بعد ذلك حتى يصلَ الإسلام إلى المغرب العربي، بعدها أصبح هذا الحي رمزاً لتعلق المغاربة بالقدس الشريف، منذ السنوات الأولى في اعتناقهم الإسلام بدأوا يقصدون الجزيرة العربية لأداء فريضة الحج.
بعدها يمرون إلى الشام حتى ينعموا برؤية مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكونوا بذلك حققوا أجر شد الرحال إلى المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام، المسجد النبوي، المسجد الأقصى.
كان المغاربة يقيمون في القدس ما استطاعوا لذلك سبيلاً، كأمثال الشيخ سيدي صالح حرازم المتوفى بفاس أواسط القرن السادس، يرابطون في طلب العلم، ويختارون لأنفسهم “باب النبي”، الذي دخل منه يوم الإسراء والمعراج ليسمى بعدها بـ”باب المغاربة” إلى يومنا هذا.
تسمع من أفواههم نور العلم، تراهم يواظبون على حلقات القرآن، ثم بعدها يخرجون لتراهم في صفوف الحرب مع جيوش نور الدين يبلون بلاءً حسناً؛ ليبقوا إلى عهد صلاح الدين الأيوبي إلى أن تحررت المدينة كلها من يد الصليبيين، حتى قال فيهم القائد المغوار صلاح الدين: “المغاربة قوم يفتكّون في البرّ وينقضّون في البحر يجاهدون عاماً ويحجّون عاماً”.
عند باب “المغاربة” كان موعدهم، يشهد على أمة جمعت الشرق بالغرب، أمة جعلت من كل الزوايا وطناً واحداً، عند بابِ المغاربةِ كان ملتقاهم يتلقّون العلم ويدوّنونه لينقلوه جيلاً بعد جيل؛ ليبقى باب المغاربة هذا شاهداً كلّما مررت منه على الحب الذي أودعه الله في قلوب المؤمنين تجاه المسجد الأقصى فجعله حباً مباركاً يفيضُ خيراً وعلماً ونوراً وجهاداً.
تمر السنوات، تنتكس فيها الأمة العربية وتمرض ويطول مرضها ليصير “باب المغاربة” شاهداً، لكنّه هذه المرةَ علينا لا لنا. اليوم يُفتحُ “باب المغاربة” على مصراعَيه؛ ليدخل من بابه وفود لم تأتِهِ طلباً للعلم والبركة كما كانت أو للجهاد في سبيل الله، بل جاءته استيطاناً وانتهاكاً لحرمة الأقصى الشريف. “هار هبايت بيدينو” أو “الأقصى في قبضتنا” هكذا أعلنها مردخاي غور مبتهجاً؛ ليُفتحُ باب المغاربة تمهيداً لمجموعات المستوطنين التي تريد اقتحام المسجد الأقصى.
عند “باب المغاربة” تُنصَبُ اليومَ خيَمٌ تمتلئ بالمياه والحلوى والوجبات السريعة لتُقدّم لعدوٍ يُريدُ اغتصاب حرمةِ الزمان والمكان.
لقد عمدَ الاحتلال منذ جاء مدينة القدس إلى تغيير ملامحِ الأماكن وأسمائها، وصب كل تركيزه على هذه المنطقة التي تحمل إرثاً مباركاً بمرور النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، ومن ثمّ مرور الفاروق عمر بن الخطاب منه أيضاً يومَ الفتح، ومن ثم مرور أهل المغرب منه.
فجعل الاحتلال من هذه المنطقة مكاناً مقصوداً للاقتحام؛ إذ يتطلع المستوطنون اليهود اليوم إلى بناء كنيسٍ يهوديٍّ داخل صحن المسجد الأقصى، وبيّنت خرائطهم التصورية نيتهم الخبيثة انطلاق البناء من باب المغاربة تحديداً، وكأن لهم في هذا المكان ثأراً قديماً يريدون الاقتصاص منه.
كان هذا الباب يوماً شاهداً على عزّةِ أمةٍ بأكملها، ثم مرّ العمر ليكون شاهداً على ذلٍّ أمةٍ بأكملها أيضاً. لا أجدُ أمام منظر المستوطنين ما يعزّي القلبَ فيما يرى، لا أجد لنفسي ولغيري حجةً تخففُ وطء هذا الثقل، إلّا أنني أؤمنُ أننا لم نصل هذه المرحلة بين يومٍ وليلةٍ، وأن سقوطاً تلو سقوط وهواناً تلو آخر أورثنا ما نحن عليه الآن، ولذا فبناء تلو بناءٍ يعيدُ لنا ما فقدنا، سقطنا نحن قبل أن تسقط الأرض وسقط الفرد قبل أن تسقط الجماعة، ولذلك ما علينا أن نبنيه اليوم هو الفرد قبل الجماعة.
موعدهم كان عند باب المغاربة، وموعدنا نحن أيضاً بإذن الله، موعدنا رغم بعد الأجساد لكن برباط الروح والدعاء والعمل، قِفوا بين يدَي الله تكثرون الدعاء، ثم جوبوا في أعمالكم ومشاغلكم ودراستكم كل في موطن إنتاجه وعطائه تنوون بذلك الإصلاح وإعادة الأمة إلى عزها وهيبتها.
سأجلس في حلقات العلم والذكر ونيتي قبلها وبعدها: “لقاؤنا باب المغاربة بإذن الله”، سأمسك قلمي وكتبي ودفاتري، سأحمل محفظتي وأؤدي مهمّتي وفي قلبي نبض يذكرني بأن عند “باب المغاربة موعدنا”، سأحدث عنه قلبي وعقلي وأروي حكايته لكل مَن يعرف باب المغاربة ومَن لا يعرفه، سأفتخر بجنسيتي “المغاربية” التي تحمل بعضاً من حروف اسم الباب، سأشدّ وثاق الإيمان في قلبي؛ لكي أبقى على عهدي ووعدي.
عند باب المغاربة موعدنا، احرصوا إذا أتيتم الباب يوماً على أن تأتوه محمَّلين بالوعي، بالخلق الذي يبني، بالكفاءة التي تغني، بالعمل الذي يرقي.. عن باب المغاربة موعدنا، مرابطين لا مدبرين، عاقدين العزم لا متخاذلين.. نبدأ من الفرد، نصنع الإنسان، إلى أن نبني الأمم ونصنع المجتمعات.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.