ما بعد المناخ “1”

في عام 1995 في مدينة الإسكندرية عندما كنت في التاسعة من عمري سمعت عن ثقب طبقة الأوزون، من خلال البيئة المحيطة من الأسرة والمدرسة والجيران، والنشرات الإخبارية طوال اليوم تتحدث عن هذا الموضوع، الذي كان موضوع الساعة في ذاك الوقت، وكان هناك حالة من الاندهاش والاستعجاب، وتم أخذ الموضوع في الاعتبار عن طريق الفكاهة من خلال الأفلام الساخرة والإعلانات الكوميدية التي تعتبر هي بمثابة المنصة التوعوية للمواطنين.. ولكن هذه المشكلة ما زالت متواجدة حتى الآن، ونسيها الكثيرون ولم نأخذ خطوة واحدة إلى الأمام لحل هذه المشكلة، والأغلب يعرفون الأسباب، والأغلب يعيش النتيجة الحالية، والكل ينتظر الحلول الجاهزة بدون عناء، أو المشكلة تعترف بأخطائها.

لماذا لم نضع البيئة من أولويات حياتنا ومن ضمن مسؤوليتنا الشخصية؟ ولماذا الكثير من البلدان العربية يطالبون بإدخال مناهج لدراسة الثقافة الجنسية في المدارس وبعض الجامعات ولا يطالبون بالثقافة البيئية؟! لماذا لا توجد منظمات محلية ذات فاعلية لتنفيذ مشروعات للحماية البيئية على أرض الواقع؟ وماذا عن المؤسسات الحكومية في البلدان العربية؟ ولماذا.. ولماذا.. ولماذا؟ وسوف نطرح الكثير من علامات الاستفهام والتعجب من أجل هذا الموضوع.

إن الثقافة البيئية ليست مجردة ثقافة تدرس في المدارس والجامعات، أو نوع من الدعايات أو الملصقات واللوحات الدعائية التي يستخدمها رجال السياسة في خطاباتهم أمام الناس والجماهير؛ لكي نثبت أننا نحب الطبيعة والبيئة لمجرد لفت الانتباه أو مجرد فعل شيء مختلف أو نوع من التقليد اللاواعي لمجتمعات أخرى واعية بالقضية، وتعرف أصلاً جذور المشكلة وتسعى لحلها من أجل مستقبل البيئة، ومن أجل البشرية.

وإذا تحدثنا عن علاقة تكاملية في ديناميكية الكون لن نجد سوى أفضل من علاقة الإنسان والطبيعة التي خلقها الله؛ لتكون علاقة تفاعلية بينهما، ولكن معظم البشر ينسون هذه العلاقة، أو ربما يحاولون تغييرها من أجل المنفعة الخاصة والأنانية التي تعبر على الأنا وفقط والكل من أجلي، مما جعل الكثير من البشر يصبحون كالوحوش تأكل الأخضر واليابس دون رحمة، وكأن الكون والطبيعة ملك لهم وليس لغيرهم حق فيها، حتى تحولت هذه الديناميكية إلى ديناميكية المادية الهالكة، من أجل أن تنهب وتدمر من أجلهم، وهناك نوع آخر من البشر يعيشون على هذا كوكب دون أن يدركوا ما هي البيئة؟ ولماذا خُلقت؟ وما هي التزاماتهم نحوها؟ وكأنهم من عالم آخر.

ومن الطرائف التي نعيشها في وقتنا الحالي الاندهاش والاستعجاب والصدمة ربما من غضب الطبيعة عندما يتساءلون ما الذي حدث؟! لماذا الطبيعة تفعل ذلك بنا؟! لماذا أنت قاسية أيتها الطبيعة؟! وهنا يأتي السؤال التلقائي مَن الذي هو قاسٍ على الآخر نحن أم الطبيعة؟!

فمن الطبيعي أن الطبيعة تغضب وتثور من أجل حقوقها، وقيمتها الحقيقية التي لن تتنازل عنها، بل ستدافع عنها بكل ما تملكه من قوة لأجل الدفاع عن العلاقة السامية بينها وبين الإنسان التي خلقت من أجل هذه المسؤولية لتصل بالإنسان إلى الجمال الكامن.

وبعد تفريط الإنسان لها بكل الوسائل ماذا سوف ننتظر من الطبيعة؟ فالطبيعة لديها إحساس بقيمتها الخلابة التي تجعلنا نخجل من أنفسنا في استغلالها أسوأ استغلال من أجل النفوس الطاغية التي طغت على أنفسهم أولاً ثم على البيئة.

وأتذكر حديث (ديفيد بوتنام) منتج الأفلام البريطانى الشهير في إحدى ندواته عن “تغير المناخ” عندما قال: “اسمحوا لي هناك نقطة هامة جداً، لا داعي للقلق حول كوكب الأرض، الكوكب على ما يرام، إنما نحن المشكلة، الكوكب يمكن أن يعيش سعيداً تماماً، وسوف يستمر إلى بلايين السنين بدوننا، فنحن الذين نعتمد عليه”.

ولذلك فسوف نبدأ من هنا طالما “نحن” المشكلة نفسها، سواء كنا في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، وإدراكنا أن هناك خطراً وتحدياً يزداد يوماً بعد يوم، فهذا يجعلنا نضع هذا التحدي في المسار الصحيح لتعديله وتحقيق التغيير الحقيقي من أجل بيئتنا الخضراء دائماً”.

وهنا سؤال هام جداً: لماذا نعتبر تغير المناخ شبح الهلاك؟ رغم أنه يحتوي على كلمتين دلالة على التغيير المثمر للحياة، ولذلك علينا إعادة النظر من زاوية مختلفة تساعدنا في إعادة التفكير ومن ثم الوصول إلى المعنى الحقيقي، وليس أتحدث عن معان للكلمات، إنما أبحث عن كينونة المعاني؛ لنصل إلى معان سامية لأفكار جديدة نريد اكتشافها.

وإذا قمنا بتحليل “التغير المناخي” لمنظور مختلف فسوف نصل إلى نتائج ابتكارية، تؤدي إلى الوصول إلى حلول جذرية للتحديات التي سنواجهها في الأيام القادمة، سواء في المستقبل القريب أو البعيد، ولذا علينا أن نضع هذه المعضلة في قالب تفكيك كمرحلة أولية لتفعيل النظام البيئي المتكامل على أرض الواقع.

وهنا سوف نعرض بعض السيناريوهات التي نأخذها في عين الاعتبار للدراسة والتحليل لوضع رؤية مستقبلية واعية، وتكون كالآتي:

السيناريو الأول:

1- انتشار التلوث والأوبئة في معظم الدول العربية وسوف ينتج عن ذلك زيادة حالات الأمراض المستعصية ووفاة الأطفال.

2- ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط وتأثيرها على بعض المدن مثل مدينة الإسكندرية ومدينة الجزائر وزيادة الفيضانات، مما سيؤدي إلى زوال بعض المحافظات خصوصاً في جنوب مصر.

3- أزمة المياه وخصوصاً مشكلة مياه حوض النيل ما بين مصر والسودان وسد إثيوبيا.

4- استمرار استخدام الوقود الأحفوري في الكثير من البلدان العربية بالرغم من التحذيرات والمبادرات لحماية البيئة والإنسان.

5- قيام بعض النشطاء المحليين بالقيام بحملات توعية لحماية البيئة في أنحاء البلاد والأقاليم.

6- القيام بالعديد من المبادرات العالمية في الوطن العربي من أجل تعزيز المبادرات المحلية للقيام بأنشطة متنوعة لتفعيلها على أرض الواقع.

السيناريو الثاني:

1- سيزداد عدد المنظمات المحلية المتخصصة في شئون البيئة والمناخ في معظم البلدان العربية، وبالتالي سيكون هناك العديد من النشطاء والصحفيين المؤهلين لنشر الوعي البيئي.

2- إعداد مناهج دراسية بيئية في المراحل الأساسية للتعليم الحكومي والخاص.

3- إصدار قانون وإجراءات صارمة لحماية البيئة والمناخ وعدم استخدام الوقود الأحفوري نهائياً في بعض البلدان، خصوصاً دول الخليج.

4- إنشاء منصات إقليمية تعاونية بين الدول لتفعيل بعض المشاريع المشتركة من أجل الطاقة الطبيعية وتبادل الأفكار بينهما في هذا الشأن.

5- استخدام التكنولوجيات الحديثة بدلاً من الوقود في معظم الدول العربية.

السيناريو الثالث:

1- استمرار تزايد المنظمات المحلية ونشر الثقافة البيئية باستخدام جميع الوسائل التكنولوجية الحديثة مما يؤدي إلى زيادة الوعي لدى معظم المواطنين.

2- اتساع الشبكات التعاونية بين الدول في شأن المشروعات البيئية والطاقة المتجددة باستخدام التكنولوجيا النظيفة أو ما تسمى التكنولوجيا الخضراء.

3- استخدام بعض الدول للوقود الأحفوري؛ نظراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقلة الموارد البشرية التي لديها قدرات عالية في استخدام التكنولوجيا.

4- تقلص دور المؤسسات الحكومية في نشر الوعي الفكري للبيئة، وخصوصاً وزراء البيئة في بعض الدول، الذين يقتصر دورهم على حضور المؤتمرات ومراسم الاحتفالات فقط، وعدم إمداد المنظمات الشبابية بالموارد المتاحة والمطلوبة لدعم عملية تحسين البيئة.

5- انتشار النفايات في بعض الدول دون استخدامها الاستخدام الأمثل ويتم التخلص منها بطريقة تدمر الإنسانية والبيئة المحيطة وانتشار التلوث بشكل عام وآثاره الناتجة عن ذلك.

السيناريو الرابع:

1- القيام ببعض الثورات البيئية في البلدان العربية لأول مرة في التاريخ من أجل البيئة والمناخ؛ نظراً للاستمرار في استخدام الوقود وبعض المواد التي تهلك البشرية والطبيعية دون اهتمام، مما سيؤدي إلى ثورات عديدة على المستوى الإقليمي والعالمي.

2- مواجهات عنيفة ما بين المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية بخصوص الشؤون البيئية؛ نظراً لتطور الأحداث.

3- ارتفاع معدلات التلوث والاحتباس الحراري وزيادة عدد الوفيات من الأطفال والشباب.

4- القيام بحروب تلوثية ما بين دول العالم، مما سيؤثر على الوطن العربي بشكل خاص؛ نظراً لاستخدام الجرثوميات الضارة الناتجة عن تجارب بيولوجية وتكنولوجية تنتج نفايات قاتلة.

5- حروب المياه في بعض البلدان العربية وغرق المدن القريبة من البحر المتوسط.

وبالطبع هذه السيناريوهات تختلف من حيث التصور من شخص إلى آخر ومن فرد إلى مجموعات، ولكن سنصل إلى نقاط مشتركة ربما تكون معظمها في السيناريوهات المشار إليها أعلاه.

وسوف نتحدث عن السياسات المبتكرة القابلة للتنفيذ لتكملة الرؤية المستقبلية لمناخنا في المقال القادم، إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top