شِيرين (قصة قصيرة)

لقد كبر إلى الحد الذي لا يمكن معه اقتناص الأحلام أو حتى مجرد رسمها على صفحة الخيال التي تبدو كأنها امتلأت، يستيقظ فجراً في غياب النسيم الذي داعب أنفاسه منذ زمن بعيد لم يعد يدركه، لم يمتد العمر طويلاً بعد، خمسة وثلاثون عاماً كانت كافية كي يصير جافاً، مملاً، وطبيعياً، سيدة غريبة ترقد إلى جواره يدرك بعد الإفاقة أنها زوجته، أصوات قرآن تنسلّ من الخارج، يَدعَك عينيه ليتأكد أن هذا ليس عزاء والدته التي تُوفيت منذ عشرة أعوام، يمسك هاتفه ليطمئن بأن لا جديد بعد، شيرين زوجته تعمل لكنها تستيقظ متأخرة ساعة عنه.

يطبع قُبلة روتينية جافة فوق جبينها، تنكمش أكثر تحت البطانية عائمةً في بحر النوم، هل تُراها تحلم؟ يتساءل، ربما تصيبها ذكرى شبابهما في أثناء الحلم، زميلان في كلية الآداب، أحب بعضهما بعضاً ثلاثة أعوام في الجامعة وثلاثة بعدها حتى تزوجا، شيرين لم تكن كأي بنت، فبعيداً عن جمالها الرائق، وعينيها الصافيتين اللتين تقصان العديد من الأشياء، أو كانتا تقصان العديد من الأشياء، فقد كانت مثله مغرمة بالسينما ترى في الأفلام التجسيد المادي للشِّعر، وهذا الطبع المشترك فتح السكة للارتباط، لكنها الآن وبعيداً عن الأطفال لم تعد مغرمة أو تأبه بالسينما أو بأي شيء -ولا هو أيضاً- ربما تشاهد كل حين فيلماً كوميدياً أو مسرحية، صارت تهتم ببرامج الطبخ أكثر، والتوك شو أحياناً.

بعد أن صلى الفجر في الصالة، جلس يتصفح هاتفه ليتأكد مرة أخرى أن لا جديد بعد، وعيناه على السفرة تراقبان الفازة الوردية التي اصطحبها معه إلى بيت الزوجية كذكرى من رائحة المرحومة والدته وبيته القديم، تَمشّى إلى المطبخ ليصنع فنجان قهوة، بحث عن البن طويلاً فلم يجده، أيقظ شيرين ليستفسر منها، تثاءبت طويلاً، مدَت ذراعيها في الهواء وطقطقت عظام ظهرها ورقبتها، أخبرته بنفاد البن والحليب والسكر منذ الأمس، لم ينتبه، قفزت فجأة إلى ذهنه أولى سنين الزواج، يستيقظ قبلها كي يتأمل ابتسامة الصباح في عينيها، الآن يفيق من أجل العمل، عاد من خيالاته التي قفزت فجأة إلى ذهنه وقاطع كلامها: شيرين، ما رأيك في أن ندخل السينما اليوم بعد أن نشرب قهوتنا بالمكان الذي تحبين؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top